الخميس، نوفمبر 07، 2013

الإذاعات الخاصة، هل انزلقت إلى مستوى الرداءة؟


حين تضبط مذياعك سواء كان منزليا أو في سيارتك أو في هاتفك المحمول على موجة الإف إم، ثم تباشر البحث عن الإذاعات التي يستطيع مذياعك هذا بلوغ التقاطها، فإنك ستحصّل على عدد لا بأس به منها، بعضها يبَثّ بالعربية وبعضها بالفرنسية أو هما معا، وبعضها بالأمازيغية، وبعضها الآخر بالدارجة المغربية. والملفت للانتباه، هو أن معظمها هو إذاعات خاصة وليست عمومية.
 في الوقت الذي تم فيه الإعلان عن إعطاء نفس جديد للمشهد الإعلامي المغربي من خلال تحرير القطاع السمعي البصري، اجتاحنا الفضول لمعرفة ما ستحمله القنوات الخاصة المرخّص لها من قيمة مضافة للمشهد الإعلامي المغربي، خصوصا أن تمة فئة عريضة من المواطنين تعشق المذياع، إما متابعة له، أو تجاوبا مع برامجه عن طريق المشاركة، أو فقط الاستئناس به.
اليوم، وبعد أن رسخّت هذه القنوات تواجدها على الساحة الإعلامية، وباتت لها نسبة جدّ مهمة من المعجبين والمتتبّعين، بل إن حضورها بات أقوى من حضور نظيراتها الوطنية، واستهدفت بعض برامجها فئة معيّنة من الشباب لم يكن لهم أي اهتمام بما يعرضه المذياع ربما فقط وصلاته الموسيقية، صار لزاما على المهتمين والنقاد والباحثين التوقّف على هذه الظاهرة، ودراستها دراسة مستفيضة ومتأنّية، فهي تمسّ مباشرة عصب المجتمع عبر نقل الأفكار والآراء والمقترحات وما إلى ذلك، بواسطة لغة وأسلوب معّينين، إذ أنّها وكوسائل الإعلام الأخرى تعتبر سلاحا ذا حدّين.
وحتّى لا أعمّم حديثي هذا على كل الإذاعات الخاصة المغربية، فإني أستثني بعضها، وأشير إلى أنّ أغلبيتها قد أثارت انتباهي في بعض المسائل المتعلّقة بالشكل والمضمون في بعض برامجها التي تلقى اهتماما كبيرا من طرف المواطن المغربي عاشق المذياع. وأعني بالشكل هنا اللغة المتداولة، والأسلوب المتبّع في تقديم هذه البرامج. وأقصد بالمضمون المواضيع التي تتطرّق لها والأفكار المتداولة خلالها. ناهيك عن الرسائل التي يتم تمريرها بين هذا وذاك.

أوّلا: اللغة والأسلوب
إنّ اللغة المعتمدة من طرف بعض مقدّمي البرامج هي لغة مبتذلة أقرب إلى لغة "الشارع"، حيث استعمال الألفاظ والتعابير التي تحدث تلوّثا سمعيّا لدى المستمع. وعلى سبيل المثال فقد يفاجئك، مقدم أحد البرامج وهو يستعمل عبارة ستجعلك تتصبّب عرقا إن سمعتها وأنت وسط أفراد عائلتك. وفي أحيان أخرى تحسّ وكأن مقدّمي البرامج وضيوفهم يجلسون في مقهى بينما أنت تسترق السمع إليهم، حيث النكات المبتذلة والضحكات العالية والتهريج بل قد يعمد المقدّم مثلا إلى معاكسة زميلته والتي تردّ عليه هي الأخرى بضحكة عالية.

أما بعض الإذاعات فهي تعمد في بعض برامجها إلى استضافة فكاهّي يحادث المستمع بلغة مبتذلة لا ترقى إلى المستوى المرجوّ، بل إنها تدفعك إلى الاشمئزاز من متابعة الاستماع.

أيضا، تعمد بعض الإذاعات إلى تقديم نشرتها الإخبارية بالدارجة المغربية، ونحن نعلم أن الدارجة هي خليط من العربية والفرنسية وألفاظ أخرى، فتتداخل اللغات، وينزل مستوى التعبير، ونحصل على شيء مثل هذا القبيل: "ربحات الفرقة ديال مانشيستر يونايتد على الفرقة ديال مانشيستر سيتي في مبراة الديربي اللي جمعاتهم البارح في البريميير ليغ، البطولة الإنجليزية، بنتيجة ثلاثة لجوج، وسجّل المهاجم الهولاندي فان بيرسي... "

ثانيا: المواضيع والأفكار
تعمد جلّ هذه الإذاعات إلى الخوض في مواضيع تصنّف على أنها "طابوهات" خصوصا "طابوه" العلاقة بين الرجل والمرأة، وغالبا يتم ذلك عبر استضافة خبير أو طبيب أو شخصية مشهورة، إضافة إلى تلقّي اتصالات المستمعين للمشاركة. عندها يتمّ الخوض في أمور بالغة الحساسية، ويعمد المتصّل أو المقدّم أو الخبير إلى تفصيل الإشكالية تفصيلا دقيقا، عن طريق استعمال أوصاف وتفسيرات جدّ مبالغ فيها.
هذه المواضيع بالنسبة للمشتكي هي أمور شخصية، فإن وجب عليه طرح مشكلته النفسية أو الجسدية للعلاج فهذا يتم عن طريق زيارة الطبيب بشكل يضع المسألة في طابع سرّي خاضع لأخلاقيات المهنة، وليس عن طريق إذاعة المشكل والخوض في تفاصيله أمام الملأ ودون مراعاة ضوابط المجتمع المغربي "المحافظ"، والذي من المفروض أنّه يستحيي من مشاركة العائلة أو بعضه البعض الإنصات لمثل هذه المواضيع.

 أيضا، هناك بعض البرامج التي تناقش مواضيع اجتماعية كاختيار شريك العمر والزواج عبر الأنترنيت مثلا، وذلك عن طريق تلقّي مشاركات المستمعين عبر المكلمات الهاتفية والرسائل القصيرة والبريد الإلكتروني. هنا، وفي كثير من الأحيان يتخذ الموضوع طابعا هزليا، لا سيما أن بعض المتصلين يعمدون إلى التدخل بطريقة فكاهية، وبأسلوب التنكيت المحشو بالسخرية، فتضفي مقدمة البرنامج وهي تنفجر ضاحكة مزيدا من الابتذال والرداءة على جو البرنامج الذي من المفترض أن يناقش المسألة بجدّية وموضوعية، عن طريق التحليل واقتراح الحلول. نفس الشيء ينطبق على برامج المسابقات، فهي تتم هي الأخرى في طقوس من التطبيل والضحك المجاني.

أما بعض المقدمين، فأنت تجدهم يخاطبونك من برجهم العاجي، وكأنك تلميذ في حضرة معلم صارم، حيث يبدو عليهم الانفعال الزائد. إذ ترتفع أصواتهم بشكل عصبي وتشتدّ لهجتهم، وهم يلقون على مسامعك خطابا في صيغتي الأمر والنهي. 

وجهة نظر:
إن كل ما أسلفت ذكره هو مجرّد ملاحظات عمّ أثار انتباهي، أو بالأحرى استيائي، فيما يخصّ بعض برامج قطاعنا السمعي الخاص. وهي لا تعدو في النهاية كونها وجهة نظر خاصة، قد يتّفق معها البعض وقد لا تروق إطلاقا للبعض الآخر. كما أنها، كما أشرت سابقا ليست معمّمة على كل البرامج أو كل الإذاعات، حيث أن بعض البرامج الإذاعية يتمّ تقديمها بمهنية عالية، وتتناول مواضيع هادفة، بأسلوب يحترم خصوصيات المجتمع ووعي المستمع، بعيدا عن الابتذال والفراغ اللغوي والموضوعي.
وفي انتظار أن يتمّ النهوض نهوضا واعيا وهادفا بإعلامنا السمعي والبصري والمكتوب، فإننا كمتابعين سنكون ملزمين ببذل جهد مضاعف لاختيار ما يتماشى مع أذواقنا، لا سيما أنّ للرداءة والميوعة عشاقها الذين يتسابقون من أجل ربط الاتصال بهذا البرنامج أو ذاك المقدم أو المقدمة. وسنستمر في التساؤل: هل يتعمّد المشرفون على تلك البرامج أن تكون برامجهم رديئة، أم أنهم ببساطة يخفقون في كل مرة في تجاوز الرداءة، أم لعلهم يحسبون أن ما يقدمونه هو بعيد كل البعد عن شيء اسمه رداءة؟

طاب يومكم
توفيق باميدا




الجمعة، أغسطس 09، 2013

نفحات العيد (قصة قصيرة)

بمناسبة عيد الفطر المبارك، أقترح عليكم قصة "نفحات العيد" من مجموعة "حين تهوي القلاع" الفائزة بجائزة القناة الثانية 2009م.
قراءة ممتعة وعيد مبارك سعيد.
                                                                                                  


    نـفحـات العـيـد    

 إنها  ليلة العيد، وبعيدا عن كل الصور المألوفة تشكلت صورة مختلفة، صورة تنبعث عبرها الأوجاع من الأعماق السحيقة للقلبين الذين ظلا ينصهران تحت ستارة صامتة منذ زمن بعيد، حين رحل الأبناء الذين كانوا بالأمس كالثريات المضيئة...غادروا العش الكبير محلقين نحو أعشاشهم الجديدة، رحيلا اقتلع الجذور وهشم الأغصان المتشابكة في حنان.
تلتقي نظراتهما الذابلة عبر الضوء الخافت القادم من الغرفة المجاورة للفناء، ولا صوت تنبس به الشفاه فيقتحم السكون الجاثم على المكان. ينتظران بأمل قاتم أن يجيء الصوت من مكان آخر فيدفع الصمت والسكون الثقيل والآلام بعيدا عنهما، قد يبعث به الباب الواجم قبالتهما، أو ربما تلين الخيوط المتصلة بالهاتف فتمر عبرها كلمات تحمل دفئا وحنانا وأنسا. ينقر الشيخ بعكازه وجه الأرض برتابة دقات الساعة المعلقة أعلى رأسه، بينما تسبح العجوز بنظراتها في الفراغ، كأنها تلاحق رمضان المنصرف بوجه حزين، تسترجع أيامه وساعاته التي لم تحمل جديدا يثلج صدريهما ويرسم على فاهيهما البسمات.
بيديها المرتعشتين فتحت النافذة، فاستقبل جسدها النحيف تحت الإزار الواسع نسائم العيد القادم، ثم اقتحمت مشاهد الأطفال الفرحين ملء جفونهم بملابس العيد الزاهية أسوار وحدتهما، وتسللت ضحكاتهم الواثبة وكلماتهم المتقطعة إلى جوف الدار الواجمة، لتغير رتابة دقات العكاز ساحبة صاحبه نحو النافذة يتطلع للحركة المميزة خارجا.
-         لا أعتقد أن أحدا سيجيء الليلة.
قالها بصوت خافت.
لم تستطع العجوز التعقيب، فقد سلبتها الدموع المنهمرة القدرة على الكلام. أغلقت النافذة، فاصلة بين البهجة المتألقة والألم المتراكم ككومات من الإسفلت.
بدا الليل موحشا متربصا بهما، فقد استمرت الجدران الباردة في بعث صمتها، وعجز السكون الثقيل عن تنويم جفونهما. حركة الأحفاد يلعبون في كل الأرجاء، وجلسة الأبناء يسردون حكاياهم، وسهر البنات يعددن الطعام، شكلت أبعاد صورة ظلت مرسومة أمامهما كثوب شفاف تعبث به عواصف الخريف...ثم حل الصباح حاملا معه نفحات العيد، روائح الحلوى والرغيف، كلمات دافئة، وضحكات ترتفع في كل أركان الحي...عاد الشيخ من مصلاه ترافقه بسمة تشكلت هناك، وزوجته لم تزل غارقة في يم حزين متدفق بأمواج من الدموع، باعث بأنين خافت صاعد من بين أضلعها. اختار مكانا على مقربة منها، ثم قعد جاعلا ناصيته على ظهر يده المستندة على العكاز مقطبا جبينه ومغمضا عينيه.
لم يلبث طويلا على حاله، إذ انبعث صوت قرع على الباب، أسرعت العجوز نحوه وظل هو واقفا يترقب. مسحت دموعها بكمي ثوبها، ودون تردد فتحته... فوجئت بطفل صغير ظنت أنها تعرفه، مبتسما ناولها صينية من الرغيف والحلوى قائلا:
-         بعثت أمي هذه لكما، وباركت لكما العيد، وتخبرك أنها ستزورك في المساء.
قبلت جبينه.. ثم اتجهت صوب المطبخ...أعدت الشاي...وضعته والصينية أمام زوجها طالبة منه أن يسكب منه لهما.
تمتد الأيدي المخطوطة بالتجاعيد نحو الحلوى...تقطع الرغيف. تتلعثم الأفواه الجافة بعبارات قصيرة... ثم أسئلة وأجوبة... ثم حديث طويل.
                                                         
"حتى لا ننسى أحباءنا في الأوقات المميزة، عيدكم مبارك سعيد، أدخله الله عليكم بالخير والبركات."
توفيق.

الاثنين، يونيو 24، 2013

إصرار - القصة الفائزة في مسابقة قصص على الهواء لشهر فبراير 2009

بسم الله الرحمن الرحيم







(منقول بتصرّف عن موقع: مجلّة العربي  (http://3arabimag.com

مجلة العربي - العدد 603 - 2009/2 - آداب - فخري صالح

قصص على الهواء
* قصص لأصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية

---------------------------------------------------------------------

- لماذا اخترت هذه القصص؟         (فخري صالح: كاتب وناقد أردني)

 "تتخذ قصة «إصرار» لتوفيق باميدا من قوة العزيمة مادة لها تنسج منها حكاية قصيرة مكثفة مختزلة. من خلال الوصف الدقيق لرحلة الرجل وحماره بحثا عن جذع شجرة يحتطبه الرجل. ويتميز أسلوب الكاتب بنوع من المتابعة السردية الحثيثة للجو العاصف وسقوط الثلج المتتابع والوهن الذي يصيب الرجل وحماره في رحلتهما الصعبة في عالم يكتسي بالبياض ويهدد بالموت. إنها قصة مكثفة تدرك معنى القصة القصيرة وكثافة عالمها وطاقتها الفياضة التي تنبع من تركيزها بؤرة عدستها على خيط دقيق من الأحداث، ليصل الكاتب في النهاية إلى لحظة التنوير النهائية. "
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

                                              
إصـــــرار
توفيق باميدا (المغرب)

         يوم آخر شديد البرودة، على نقيض ما صرح به المذياع فإن الشمس لم تطل من تحت السحاب الكثيف لتبث ألسنتها الدافئة عبر الوجود، فالثلج لا يزال ساطعاً بعناد فوق الأرض التي تناسى الناس كيف كان شكلها قبل أن تبيض.

       بدت خطواته أكثر تهالكا وظهره أكثر انحناء وهو يخط طريقه، متبوعاً بحماره ذي المركبين الخشبيين، يجره بقوة من لجامه بينما تقبض يده الأخرى على فأس متوسطة الطول. عبر خيشوميه وفمه تتسرب أنفاسه الساخنة التي ما تكاد تلامس النسائم الباردة حتى تصير بخاراً.

الأفق الأبيض أمامه يزداد امتداداً واتساعاً، حتى التلال البعيدة باتت كشريط أبيض يؤطر النظر داخل لون واحد زاه. للحظة، قد يفكر في التنازل عما انطلق من أجله، لكن صورة أجساد أبنائه وهي ترتعش تحت البطانيات الثقيلة وعيونهم المتراقصة تحت ضوء الشموع الكئيبة جعلت كل شيء يبدو هينا.

    في بداية الشتاء كثر الحديث بين الناس عن الصبية الذين ماتوا من شدة البرد في الجبال المجاورة، أحس بالقلق يستوطن كيانه، ثم تضاعف حين أبان الشتاء عن أنيابه الحادة. ألسنة اللهب كانت كفيلة بأن تصد الهواء البارد بعيدا عن بيته، لكن حين أتت النار على كل ما خزن من الحطب، تحول الكوخ الفسيح إلى ثلاجة تجعل كل من فيها يرتجف وأسنانه تصطك.

     قبيل الفجر جر حماره وبدأ رحلته لعله يصادف أغصاناً متناثرة على الأرض، ولكن الثلج كان كثيفاً بحيث لم يكن ممكناً تمييز الأشياء التي يغطيها، والإقدام على الحفر سيكون مضيعة للوقت. المسيرة تطول ولا شيء يلوح فوق الأرض، التعب يزيد قدميه تجمدا والحمار أبان عن استسلام غريب وهو يصعد إحدى الربوات. راح يفكر في الأشجار التي تتناثر في المنطقة لعله يلمح إحداها في مكان قريب، بيد أن الوجود بدا صفحة واحدة بيضاء.

     وحين لاح طيف اليأس قريبا منه، فراحت قواه تخور تدريجياً إلى حد أنه استأثر الموت فوق الجليد وحماره على الرجوع صفر اليدين إلى منزله، لاح في الأفق أمل جديد. كرة سوداء تقبع فوق تلة قريباً منه، حين بلغ القمة وجد كرته السوداء هي ضالته التي خرج ينشدها، جذع شجرة أو ما تبقى من الشجرة. بين الغبطة والنشوة وجد نفسه يهوي بكل قوته على الجذع، يضرب ويضرب ومع كل اصطدام بين هدفه والفأس كان جسمه يرتد بقوة إلى الخلف. ثم توقف ليكتشف أن فأسه لم تترك أثرا على الجذع، لقد كان متجمداً، متصلباً بفعل الصقيع والثلج.

    لم يكن من حل أمامه سوى تسديد ضربات أكثر ضراوة، جمع أنفاسه وأحكم قبضته للفأس، رجع خطوة إلى الخلف وركز بصره على مكان محدد في الجذع. وقبل أن يهم بتسديد ضرباته أحس بنعومة وبرودة حبيبات الثلج المتساقطة على وجهه. ثم سرعان ما صارت الكتل البيضاء تتشكل فوق كتفيه ورأسه وظهر حماره، وفوق الأرض بأحجام أكبر. نظر صوب الأفق الذي بدأت معالمه تتبدل واستنتج أن الرجوع بعد دقائق سيكون صعبا.

   حلق صوت فأسه وهي تهاجم الجذع عالياً مخترقاً مرة أخرى الصمت الأبيض، بضربات أقوى أدت أخيراً إلى إحداث شرخ صغير. توقف ليستجمع أنفاسه، أحس بسخونة في يديه، كانت تشققات رقيقة قد تقاطعت عبر راحتيه، ما لبثت أن احمرت وازدادت عمقاً واتساعاً، كان الألم يزداد حدة كلما زاد من شدة إحكام قبضته للفأس، بينما وجدت القطرات الحمراء مستقراً جديداً، قرب قدميه، مازجة بين حمرتها والبياض، مصرة على أن تلون الثلج بلون آخر.

    لم يعد للألم وجود حين راحت صلابة الجذع تستسلم بخضوع للضربات العنيدة المتتالية، التي أرغمت الفأس على اختراق مركزه. هذه المرة لم يتوقف عن توجيه الضربات إلا حين رأى الجذع وهو يهوى صريعاً، صاح في غبطة بأعلى صوته ولكن الطريق التي جاء منه لم يعد لها وجود، تناثرت الكثبان الثلجية بأحجام يصعب اختراقها. شد الحمار من لجامه بعد أن ربط الجذع بحبل ثم مده ليلفه حول جسم الحيوان.

    انغرست قدمه بعمق إثر أول خطوة، ثم تتالت الخطوات المصحوبة بآلام في اليدين المتشققتين، في الظهر وفي كل الجسم. هوى على ركبتيه، ثم نهض، ثم هوى من جديد، ثم هوى على وجهه. امتلك التعب كل جسده، خرت قواه عن آخرها. تمسك بعنق الحمار في محاولة للنهوض. تنفس بصعوبة، ثم واصل بصعوبة خطواته الثقيلة.

    راحت صورة الأفق تتغير وباتت الأكواخ البعيدة تقترب وأبعادها تكبر. ثم وأخيراً..ومن وسط الصقيع المتخفي تحت الظلام الدامس، انبعثت نار صارخة تهب للمكان وأناسه دفئا ونورا.

(منقول بتصرّف عن موقع: مجلّة العربي  (http://3arabimag.com

.

الخميس، فبراير 21، 2013

ضيفا بمجلة "العربي الحر" بقصة: "رجل دون مأوى"

بسم الله الرحمن الرحيم


أتقدم بالشكر لمجلة "العربي الحر" الإلكترونية في شخص رئيس تحريرها الأستاذ "نزار الزين" لاستضافتها لي على صفحاتها وذلك من خلال قصة "رجل دون مأوى".

لزيارة الصفحة اضغط هنا: رجل دون مأوى


طاب يومكم
توفيق باميدا

الاثنين، ديسمبر 17، 2012

السينما المغربية، هل تتعمد محاربة الإسلام؟



بسم الله الرحمان الرحيم


قبل سنتين أو ثلاث، وجدتني ذات مساء أنشدُّ لفيلم سينمائي يُعرض على القناة الثانية. وما شدَّ انتباهي أكثر لهذا الفيلم كونه قد حظي حين عرضه في السينما أو قبيل ذلك بهالة إعلامية مُلفتة، وقد تم حينها تقديم برنامج في نفس القناة استضاف مخرج الفيلم وممثليه  قصد التعريف به وربما أيضا الإعلان له.

هذا الفيلم أُنتج سنة 2007م، أخرجه وكتب سيناريوه أحمد بولان، وشارك فيه مجموعة من الممثلين الذين يعرفهم الجمهور جيدا، أمثال يونس ميكري، إدريس الروخ، آمال عيوش، أمينة رشيد، رفيق بكر... والفيلم مقتبس عن قصة حقيقية، حدثت  سنة 2003م، حين اُعتقل 14 شابا مغربيا من عشاق موسيقى "الهارد روك" و"الميتال" بتهمة عبادة الشيطان. وقد أثارت هذه القضية ضجة إعلامية كبيرة وردرد فعل متعددة تمثلت في وقفات احتجاجية نظمتها المنظمات الفنية والمدافعة عن الحريات الشخصية. ومن هذه القضية استوحى أحمد بولان عمله، معتمدا على شهادات هؤلاء الشباب وآبائهم ومرافعات المحامين.

لعلّ أول ما يثير الانتباه في هذا الفيلم هو عنوانه: "ملائكة الشيطان"، فهو متكون من كلمتين متناقضتين: ملاك وشيطان. لكن الأخطر هو أن كلمة "ملائكة" مضافة إلى كلمة "الشيطان"، بمعنى أن "ملائكة" منسوبة إلى "الشيطان"، أي أن هؤلاء "الملائكة" هم تابعون للشيطان، رغم أن الجميع يعلم أن ميزة الملائكة في الأصل هو أنهم  تابعون لله وحده، عابدون مطيعون له سبحانه.

إذا، وبمكر أدبي، وظّف كاتب الفيلم ومخرجه مجازا يستعير صفات الملائكة في علاقتها بالله ليسقطها على هؤلاء الشباب الموسيقيين في علاقتهم بالشيطان. وهو هنا يجعل للشيطان ملائكة كما لله سبحانه ملائكة، وهذه استعارة بالغة الخطورة.

قد لا يهمنا إن كانت موسيقى الهارد روك تحتفي بالشيطان وتمجده، أو إن كان هؤلاء الشباب يتعمدّون نشر تلك الأفكارالمنحرفة أم لا أو أن الأمر بالنسبة لهم مجرد فن لا غير، بل ما يهمنا إضافة إلى العنوان الغريب، هو بعض المشاهد التي حملها الفيلم والتي أساءت إلى بعض شعائر الإسلام، كالسخرية من الوضوء، وكالشخصية المتعصبة والغير مهذّبة التي ظهر بها المحامي الملتحي... وهذه المشاهد أبرزت بوضوح نية الفيلم في الاستخفاف بالتعاليم الإسلامية.

فالفيلم في النهاية يحمل في جعبته رسائل تصبّ في اتجاه الدفاع عن الحريات الفردية، ويضرب بعرض الحائط القيم التربوية والضوابط الأخلاقية، ويدعو إلى مواجهة "المتطرفين" كما أبرزهم الفيلم، بدل مراقبة الشباب المتحررين أو المنحرفين.

"ملائكة الشيطان"، ليس هو الفيلم الوحيد في خزانة السينما المغربية الذي أخذ على عاتقه هذا التوجه، بل هناك أفلام قبله وبعده حذت الحذو نفسه وبأشكال متعددة، كفيلم "ماروك" مثلا.

السينما المغربية اليوم في عمومها هي سينما لا تتطرق للمشاكل الحقيقية التي يتخبّط فيها المجتمع وتحاول إيصال الصورة الحقيقية عنه، بل هي تمارس دورها التجاري بعرض إما أفلام ساذجة، أفلام سعيد الناصري نموذجا، أو أفلام هدفها هو إبداع المشاهد المنحلّة قصد ربح مادي وتضليل أخلاقي، أو أفلام برسائل ضد القيم والأخلاق أو حتى التعاليم الإسلامية.

طاب يومكم
توفيق باميدا






الأربعاء، أبريل 11، 2012

قصة: "حذاء خلف الزجاج"



لم يكن يتوقع أن شراء حذاء قد يتطلب منه كل هذا العناء ويستلزم منه تبديد كل هذا الوقت. خرج منذ الصباح في رحلة اضطرارية قصد اقتناء حذاء جديد، بعد أن صارت كل أحذيته الملقاة في صندوق عند ركن الفناء رثة، مرتخية وباهتة اللون أو متقطعة ومتقشرة. وأفضلها حالا هو الذي تنحشر فيه قدماه الآن، تمددت جوانبه اتساعا، وتحول لونه الذي هو في الأصل بني إلى بقع من الألوان، الأحمر والرمادي والأسود بعد فشله المبين في إعادته إلى حالته الأصلية عبر عمليات المسح والتنظيف المتتالية.
لقد كسر حتما رتابة أيامه حين خرج في إثر حذاء بديل، ليس أي حذاء قد يصادفه، بل هو مرسوم في مخيلته شكلا وتصميما وربما لونا أيضا. فهو يكلف نفسه دوما عناء التفتيش والانتقاء ولا يقبل إطلاقا بتبضع أي شيء كان.
وقف أمام الواجهات الزجاجية لمحلات وسط المدينة، حيث سلبته الأحذية أنيقة المظهر، جذابة التصاميم، بألوانها اللامعة ملكات تفكيره، فراح يمني النفس بامتلاك أحدها، وتخيل كيف سيكون شكله وقدماه تطآن الأرض بواسطة ذلك الحذاء الأسود المتوسط للرف ذي الهيبة والجاذبية التي لم يألفها من قبل. حتما ستتغير طريقة مشيه اللامبالية إلى مشية متزنة حريصة، تراقب مواطئ الأقدام وتتفنن في رسم الخطوات.
 تصفعه الأثمنة اللاذعة فيتراجع عن أحلامه، مقلبا دون إدراك جيبه. يبتسم ساخرا أمام وجهه المعكوس على الزجاج، ثم ينحدر ككتلة صخرية صوب زقاق أسفل الشارع حيث محل مشهور ببيع الأحذية المستعملة.
عند مدخله أحذية مكومة فوق بعضها، وبالداخل أخرى يبدو أنها منتقاة، تجاور بعضها فوق الرفوف الخشبية أو معلقة بمسامير عبر حبال متوازية. تمهل قليلا قبل أن يضع يده على أي منها ريثما تمحي من ذاكرته معروضات المحلات الزجاجية. ظلت مقلتاه تنتقلان بخفة بين الأحذية المعلقة دون أن ترتاح لأي منها، فتوجه نحو تلك المكومة. ألقى نظرة شاملة وهو يقلب بعضها. راح بعض التوتر ينتشر عبر أعصابه فاندفع خارجا.
وجد نفسه يمشي بعصبية يتأمل الأحذية التي تسابق بعضها فوق الرصيف أو تقطع الشارع، أو التي رست أمام محل أو عند زاوية ترافقها أخرى أنثوية. ازداد إحساسه سوء وهو يقارنها بحذائه غريب الشكل عجيب اللون، الذي سيكون حتما قد دفع كثيرا من الناس إلى القهقهة بأعلى صوت أو السخرية في صمت.
انسحب بعيدا عن الشارع عندما حل به ارتياب فظيع صور له جميع المارة ينظرون أسفل صوب قدميه، لاجئا إلى إحدى الأزقة الساكنة، محاولا استحضار محل قريب يجد عنده غايته وبثمن مناسب. ثم خطر بباله محل شاسع بأحد الأحياء المجاورة، حتما لن يعود من هناك خاوي الوفاض.
اعتراه الارتياح وهو يتأمل الرفوف الطويلة التي اصطفت فوقها العشرات من الأحذية الجميلة. يتمعن في الأول فيدعوه الثاني لإلقاء نظرة، ثم يجذبه لون حذاء آخر عند الرف السفلي. يسير عبر الرفوف حتى آخرها ثم يعاود الكرة مرة أخرى. لم يتخذ قرارا، وقف حائرا بينها ثم انسحب.
لم يفطن إلى أنه كان يسير صوب محطة الحافلة التي تأخذه إلى بيته إلا حين وقف ينتظر إطلالتها وسط حشد هائل، يفرك جبينه بأصابعه وتضرب إحدى قدميه على الأرض بعصبية.
-     لا يهم، سأعاود البحث يوما آخر في أماكن أخرى.
تجيء الحافلة، ينقض الحشد عليها بشراسة يرفس بعضهم بعضا، بينما يقف هو يتأمل بأسف حذاءه القذر.
يهرول نحو المحل الأخير، يشير بإصبعه إلى أول حذاء تلتقطه مقلتاه طالبا من البائع أن يجهزه، ثم يغادر المحل مبتسما.
إنه حذاء أسود، لكنه ليس كالحذاء الجميل الذي حرك فؤاده من خلف الزجاج. آه، لو كان المرء يعيش بهدف اقتناء حذاء لكان الأمر مختلفا، عندها لن يبالي بالأثمنة الرهيبة، الناس يكافحون قصد الحصول على منزل أو أثاث أو سيارة، يدسون وجوههم في الديون ويطبقون أنظمة قاسية من التقشف جاعلين أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، وليس للحصول على حذاء نفيس. وفي المقابل هناك من يشتري أمثال تلك الأحذية دون أن يحس بأدنى وجع في جيبه، ولأمثال هؤلاء صنع وعرض الحذاء الأسود الباهر الأنيق. فكر، وبات الليل يفكر ويحلم ويتخيل.
 تجول في أروقة البيت مرتديا حذاءه الجديد، وجده جميلا ومريحا. لكنه يبقى مجرد حذاء عادي، على الأقل لن يحس بالحرج الذي أحسه وهو يخطو بحذائه الحقير الذي ألحقه أخيرا بجوار إخوته في الصندوق، ثم عاد يتأسف على حذاء المحل الزجاجي.
-     آه، ما باليد حيلة !
نام واستيقظ على صورته، وقبل الإقدام على فعل أي شيء ارتدى حذائه الجديد.
-     الأمر محسوم. لقد اقتنيتك لأنك الأنسب لي ولحالتي.
يجلس إلى المائدة فيقطع صمت إفطاره نداء الرجل الذي يبتاع الأغراض الغير مرغوب فيها بعربته التي يدفعها أمامه، وجدها فرصة للتخلص من حزمة أحذيته القديمة، فسارع إلى اللحاق به قبل أن يختفي عند انعطاف الزقاق.
وقبل أن يسلمه الصندوق أحب أن يلقي نظرة على الأغراض الغريبة التي تمتلئ بها عربته. صينية وإبريق شاي دون غطاء، وسادة متسخة وطاولة تبدو في حالة جيدة وأشياء شبيهة أخرى. و كان من بينها أيضا حذاء، حذاء أسود أنيق يبدو جديدا، شبيه تماما بالذي رآه خلف الزجاج.

من مجموعة  "عينان مفتوحتان في الظلام".

الأربعاء، ديسمبر 28، 2011

قراءة نقدية في رواية "النمر الأبيض" لأراويند أديغا

بسم الله الرحمن الرحيم


تمثل رواية "النمر الأبيض" للكاتب الهندي "أراويند أديغا" الفائزة بجائزة "مان بوكر"  البريطانية لعام 2008 اكتشافا آخر للهند الحقيقية وليس هند الرقص والغناء التي غالبا ماتقدمها السينما الهندية، وتمنح للقارئ فرصة التعرف على الفوارق والمتناقضات التي يتخبط في المجتمع الهندي.

وأقدم لكم هنا قراءة نقدية لهذه الرواية أنجزها الكاتب والناقد الأدبي الأردني "فخري صالح"، منقولة عن "مجلة العربي - عدد فبراير 2009".



 «النمرالأبيض» لأراويند أديغا: هندان لا هند واحدة
        
الرواية الفائزة بجائزة مان بوكر  2008
يكتب الكاتب الهندي الشاب أراويند أديغا (مواليد 1974) في عمله الروائي الأول «النمر الأبيض» حكاية الهند المعاصرة في بدايات القرن الواحد والعشرين، مقدما صورة أخرى مختلفة عن تلك الصورة الرسمية الشائعة عن شبه القارة الهندية الصاعدة في الاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات. ويبدو أن الصورة المجازية التي قدمها أديغا للهند التي يخبرنا الراوي في روايته أنها «هندان اثنتان» وليست هندا واحدة هي التي جعلت لجنة تحكيم جائزة «مان بوكر» تختاره للفوز بأرفع جائزة بريطانية لعام 2008، متغلبا على كبار كتاب الرواية المرشحين للجائزة وعلى رأسهم مواطنه الهندي سلمان رشدي الذي لم تصل روايته للائحة القصيرة للجائزة.
حكاية رواية أديغا، الذي يحمل الجنسية الأسترالية إلى جانب الهندية، وكان درس في جامعتي كولومبيا الأمريكية وأكسفورد البريطانية، شديدة البساطة، فهي تدور حول سائق هندي شاب يقتل سيده ويهرب بحقيبة من المال، كان سيده سيسلمها رشوة لأحد الوزراء الهنود لكي يساعده في تسوية مشكلة عائلته الغنية مع الضرائب. وبعد هرب السائق ليصل إلى بانغالور، مدينة الهاي تك وخدمات الكمبيوتر الهندية الصاعدة في عالم التكنولوجيا والمال، يختفي تحت سمع وبصر سلطات البوليس الفاسدة ويصبح واحدا من أغنياء الهند الجدد. لكن هذه البداية المثيرة لا تبدو سوى محاولة للفت انتباه القارئ إلى أعماق الحكاية التي يسردها القاتل في سبع رسائل إلكترونية يرسلها إلى رئيس وزراء الصين الذي كان من المقرر أن يزور الهند ومدينة بانغالور بصورة خاصة بدعوة من الحكومة الهندية.

الرسائل السبع

الرسائل الإلكترونية، التي هي فصول الكتاب السبعة، ترسم الصورة المجازية للهند المعاصرة التي تقدم نفسها بوصفها العملاق الاقتصادي والتكنولوجي الثاني الصاعد بعد الصين. ومن هنا اختيار الكاتب لوسيلته السردية، المتمثلة في عدد من الرسائل الإلكترونية التي يبثها الراوي ــ القاتل بالرام هالوي إلى رئيس وزراء الصين السيد جياباو عبر كومبيوتره النقال من مدينة بانغالور التي يصبح واحدا من سادتها، بعد أن يكون غير اسمه وجعله متطابقا مع اسم سيده الذي قتله. ومن الواضح أن لعبة تغيير الاسم هي بمنزلة إشارة رمزية إلى حلول طبقة جديدة محل الطبقات العتيقة التي كانت تتاجر بأشياء عديدة من بينها الفحم الحجري الذي هو مهنة السيد الذي قتله بالرام الذي يطلق على نفسه لقب «النمر الأبيض» في إشارة رمزية أخرى إلى انعتاق العبد من عبودية سيده عبر قتله.

النمر الأبيض نوع نادر من النمور التي لا يولد منها إلا فرد واحد خلال عشرات السنوات، وقد أطلق القاتل على نفسه هذا الاسم قائلا لرئيس وزراء الصين إنه لم يعد قادرا على مواصلة العيش في القفص لمدة أخرى فقرر القتل رغم أن هذا لا يعني أنه كان يكره سيده. ويبني الكاتب على مجاز النمر الأبيض مجازا آخر مقابلا هو مجاز «قفص الدجاج» الذي يرمز به إلى الهند الأخرى، الهند الفقيرة المضطهدة من قبل الأغنياء والساسة الهنود بغض النظر عن هوياتهم الطبقية وأحزابهم السياسية. يقول الراوي: إن الهند التي توصف بأن عدد طبقاتها لا يحصى قد أصبحت تنقسم إلى طبقتين اثنتين فقط: أصحاب الكروش الكبيرة وأصحاب الكروش الضامرة الصغيرة، وقد قرر هو أن يكون واحدا من أصحاب الكروش الكبيرة، ولو كان ذلك عبر القتل بدم بارد ودون أي إحساس بالذنب.

يلعب السرد الذكي، الفكه والسوداوي في الوقت نفسه، دورا أساسيا في الكشف عن شخصية الوحش الجديد الصاعد من رماد الاستبداد والعبودية الآتية من عصور سابقة. فالقتل بدم بارد هو نتيجة تكشف عنها ممارسات الطبقات الغنية التي تسحق الفقراء وتمثل بعائلاتهم إذا أخطأ أحدهم وأساء لواحد من أفرادها في ظل «ديموقراطية» شكلية تصعد إلى السلطة من خلال التزوير وشراء الأصوات والرشوة وحشد «دجاج الأقفاص»، أي فقراء الهند المغلوبين على أمرهم، للتصويت في انتخابات مزورة لا علاقة لها بالديموقراطية المدعاة!

ديمقراطية ولا شيء..

في هذا السياق يصعد صوت الراوي من أعماق الحكاية ليقول ساخراً إن الهند تملك الديموقراطية، التي تفتقر إليها الصين، لكنها لا تملك الكهرباء والماء النظيف وشبكات الصرف الصحي والشوارع النظيفة؛ ولو كان الأمر بيده لعكس الآية وجعل الكهرباء والماء النظيف وشبكات الصرف الصحي قبل الديموقراطية. ومن هنا فهو يطلب من رئيس وزراء الصين الزائر ألا يصدق مضيفه رئيس وزراء الهند عندما يحدثه عن ديموقراطية الهند وتطورها وكونها عملاقا اقتصاديا متطورا جديدا ينافس أمريكا وأوربا واليابان؛ وعليه دائما أن يقلب كلام رئيس وزراء الهند ليصل إلى حقيقة الهند المعاصرة التي تنقسم إلى طبقتين فقط: أصحاب الكروش الكبيرة الذين يعيشون في قصور فاخرة ومجمعات تجارية ضخمة للتسوق وأصحاب الكروش الضامرة الذين يعيشون في الأحياء المعدمة التي ينهشها الفقر والقذارة والافتقار إلى شبكات الصرف الصحي بحيث تتراكم كتل المخلفات البشرية وتصنع حدودا بين الأغنياء والفقراء.
لتوضيح هذه الصورة المروعة للفرق بين ما يسميه الكاتب «هند الظلام» و«هند النور» يحكي الراوي بأسلوب موارب عن مجيئه من هند الظلام، من الريف الواقع على نهر الغانج، إلى هند النور الواقعة على البحر. لكن هذه القسمة الرمزية لشبه القارة الهندية لا تشير إلى معنى إيجابي لفعل العبور من الظلام إلى النور؛ إنها تعني العكس تماما، فالرحلة الجغرافية، التي يقطعها بالرام من الريف البعيد إلى مدينة دلهي، هي رحلة إلى القتل بسبب إدراك الراوي للخطوط الفاصلة المروعة التي تقسم المجتمع الهندي وتشقه من الداخل مهيئة شروط انفجار داخلي قد يمزق الهند ويدخلها في حرب أهلية عاصفة مدمرة.

إن مدينة دلهي نفسها توصف على لسان الراوي بأنها مدينتان في مدينة: فالأغنياء يعيشون في عمارات سكنية فخمة معزولة من الداخل والخارج عن الفقراء الذين يغوصون في مخلفاتهم البشرية. كما أن العمارة السكنية تنقسم إلى مجالين اثنين: الشقق السكنية الفارهة، والطابق السفلي الذي يؤوي الخدم وترتع فيه العناكب والصراصير التي تروح وتجيء فوق النائمين. أما السيارة التي يركبها السيد ويقودها السائق القاتل، والتي يبدو حضورها في رواية «النمر الأبيض» شديد الرمزية، فهي تمثل أيضا وجودا مقفلا معزولا عن الشارع العريض المحتشد بالعربات التي تنفث عوادمها الخانقة والباصات التي ينبعج البشر من داخلها وعلى سطوحها، والدراجات المنهكة التي يقودها سائقون أنهكهم المرض والجوع والسل، كما حصل مع والد الراوي الذي كان سائق دراجة مات بالسل على أبواب مستشفى حكومي حين لم يجد أحدا يسعفه! من موت الأب بهذه الصورة المروعة تهزه نوبات السعال وهو يبصق الدم على حوائط المستشفى تبدأ الحكاية.

الهند المعاصرة.. صورة مروعة

يرسم أراويند أديغا، الذي عمل سابقا مراسلا لصحيفة الفاينانشال تايمز البريطانية ثم مراسلا معتمدا لمجلة تايم الأمريكية، صورة مروعة للهند المعاصرة المنقسمة والمشروخة من الداخل. وهو يقدم عالمين متقابلين لا يلتقيان إلا عبر الاضطهاد الواقعي والرمزي، والعنف والثورة المكبوتين، والكراهية العميقة. على هذه الخلفية يمكن أن نفهم سرد أراويند أديغا المباشر والمراوغ في الآن نفسه، السرد الذي نظن أنه يسير على السطوح لكنه في الحقيقة سرد سري عميق يفجر دواخل الأشياء ويعرض حقيقة ما يدور في داخل الشخصيات في المشهد الخارجي الذي تصوره عين السارد الذكية الفاحصة. إنه سرد فكه وضاحك لكنه ضحك أسود يثير الألم ويفتح الجروح. ولعل هذا هو السبب الذي يقف وراء تقبل القارئ لحكاية بالرام، هذا السائق الهندي الآتي من أطراف الريف، من الظلام، إلى دلهي بؤرة النور (!) لا ليقتل بل ليعيش. وعندما يكتشف حجم الفساد والعنف والخراب، ويعاين بعينيه وأذنيه انهيار السلطة والمجتمع الهنديين، يتمرد خارجا من «قفص الدجاج» ويذبح سيده.

تلك هي الأمثولة، أو الحكاية المجازية التي تسعى رواية «النمر الأبيض» إلى جدل سردها حولها. ولتثبيت هذا البعد المجازي في بؤرة سردها فإن الرواية تحفل بالصور والمجازات والمشاهد الرمزية المدهشة، التي تفسر جميعها الحدث الرئيسي في العمل: صورة الثور المتعب المندفع وهو يجر عربة محملة بعدد ضخم من رءوس الثيران المقطوعة؛ صورة المرأة الشابة الفقيرة النائمة في محطة القطارات وبين نهديها تقبع ورقة نقدية ضئيلة القيمة؛ صورة النمر الأبيض الذي يقطع المسافة نفسها داخل القفص جيئة وذهابا عددا لا يحصى من المرات، ثم إنه يتبخر تماما من المشهد وكأنه لم يكن موجودا؛ صورة الأعداد الكبيرة من سكان حزام من أحزمة الفقر حول نيودلهي وهم يتبرزون في العراء في مشهد مقزز لكنه يحمل بعدا رمزيا شديد المركزية في الرواية.

تلك الصور، وغيرها مما يرد في صفحات هذه الرواية، تميط اللثام عن الحكاية المركزية. فرواية «النمر الأبيض» ليست رواية عن جريمة قتل بل هي رواية عن حياة الهند المعاصرة؛ عن التناقض الحاد بين عالمين لا يتقاطعان ولا يلتقيان ولا يفكر الغني فيهما بالفقير، ولا يلقي الشبعان إلى حد التخمة بالا إلى الفقير إلى حد الموت جوعا. إنها رواية مدهشة بذكاء سردها وقوة صورها، وإشعاع مجازها وطاقتها الرمزية الخلاقة. وهي تستحق أن تنقل إلى العربية.

فخري صالح   









من غرينكا إلى "معركة"... حروب مستمرة.

كتب الأديب الأستاذ عز الدين التازي قصته غرينكا مستلهما ربما فكرتها من لوحة بيكاسو الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه: غرينكا. وكتبت أنا قصة معركة ...