الأربعاء، فبراير 18، 2015

عائد من الحرب (قصة قصيرة) - توفيق باميدا -


                    (ملحوظة: هذه القصة تحتوي على مشاهد قد يعتبرها البعض مؤلمة أو صادمة)
*******************************************************
إهداء:
إلى كلّ ذي ضمير وإحساس، يتمنّى أن يتوقّف شيء بالغ البشاعة اسمه: الحرب
*******************************************************
اليوم أعود من الحرب. ولا أريد أن أتحدث عن الحرب.
تستقبلني القرية محتفلة مبتهجة، بينما عقلي يطير إلى قرى أخرى ودواوير أعلم أن  نساءها الآن يلطمن وجوههن ويواري رجالها دموعهم عن أنظار أبنائهم، لأن أبناءهم الذين كانوا رفقتي على خط النار لم يعودوا أو عادوا في صناديق.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب، لكن جدتي وبعد أن قبّلت رأسي وأطلقت زغرودة أيقظت شعر جسدي المتحفز تسألني:
                     · هل طردتم العدو يا بني؟
أنظر بعيدا عنها دون أن تسمع مني ردا.
أُخذنا إلى بلد آخر لنحارب العدو، شهورا ظللنا هناك نتطاحن معه حتى أُخبرنا أنه قد عاد من حيث أتى، فعدنا نحن أيضا من حيث أتينا. ثمّ أُعلن أننا حققنا النصر. لكنني لم أتذوق طعمه، أقصد طعم هذا النصر.
حين كنت أرى مجموعة من الجنود تفرّ مذعورة من فوهة مدفعيّتي منسحبة إلى الخلف لم يكن يبلغني الإحساس بهذا الطعم. صغيرا، حين كنت أسجّل هدفا في مرمى الخصم أو نفوز في مباراة أو عندما ألتقط اسمي ضمن لائحة التلاميذ الناجحين أو حين يقتني لي أبي أو أمي لباسا جديدا أو لعبة، كنت أتذوق هذا الطعم الجميل، مزيج من نشوة الظفر وإحساس بالفخر. لكنني وأنا أسحق العدو بقنابل مدفعيّتي أو يزدان كتفي بنياشين برّاقة، أو عندما تستقبلني القرية بالزغاريد والزهور، لم أجد في كل هذا ما قد يدفع بتلك الأحاسيس لتلامس قلبي الذي لم أعد واثقا إن كان لا يزال موجودا في صدري.
تأخذني أمي بقوة بين أحضانها، فيحسسني الدفء المنبعث من أرجاء جسدها أني ما زلت ذاك الطفل الصغير الذي كلما تلقى أمرا لا يسرّه عاد ليرتمي بين ذراعيها ساكبا دموعه وشكواه. ولولا تلك العيون التي التفت من حولي متطلعة إلى هذا العائد لتوّه من الحرب، لبكيت الآن على صدرها بكاء لا أدري أتروي مياهه نبات الأرض أم تحرق نيرانه زهورها.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب... بل لا أريد حتى تذكّرها، لكن الفتى الأشقر الذي وقف الآن عند الباب بقامته المتمايلة كجريد نخل صمّم أن يبقيها حاضرة بوضوح، بألوان طبيعية وأبعاد واقعية، فرأيتني واقفا عند مدفعيتي محاطا بالرفاق محفّزين لأي أمر، بيد أن الأمر انطلق من الجهة المقابلة، تلاه انبعاث لمجموعة من المشاة، لم ندر من أيّ جهة نبتوا. كانت فكرة ذكية لم نستوعب حركاتها إلا حين صار رجالنا يتساقطون تباعا. لينطلق نداء قائدنا متأخرا متكسّرا، قطّعت أصوات البنادق حروفه:
                     · ا...ن...س...ف !
حين أفاقت أذنيّ من الصمم الذي طمس على طبلتيهما انفتح بصري مباشرة وفوهة مدفعي موجهة صوب جندي ببندقية يركض نحوي. فتى أشقر نحيف، خطواته طويلة أو هكذا بدت لي حينها، شعر رأسه الأصفر كان ناعما، لاحظت ذلك في خصلات شعره التي تدلت من تحت خوذته فوق جبهته وعنقه، كان وجهه وسيما وشيء من براءة الطفولة لم يغادره بعد.
انبعث مرة أخرى صوت القائد يشق هذه المرة بقوة وكل وضوح الضوضاء المسيطرة، ويشق سمعي وكأن الأمر موجّه لي دون غيري:
                     · انسف!
أنا لا أريد أن أتحدث عن الحرب...
 التمّ حولي صبية القرية متعطشين أن أحدثهم عنها، يتبادلون النظر إلى الصورة التي سلّمتها أمي لهم. صورة تظهرني جالسا فوق سطح مدفعيتي أرفع بندقيتي نحو السماء بينما ترتفع بسمة عريضة على وجهي، أذكر أني أخذت هذه الصورة عند التحاقي بخط النار، كانت الأولى هناك والأخيرة، لأني لم أعد بعد ذلك أرغب في التقاط صور، باستثناء تلك التي تُأخذ لنا ونحن في النظام أو عائدين نحمل رايات النصر.
ظل الصغار يطرحون عليّ الأسئلة، ثم يعودون للهمس في آذان بعضهم:
                     · لماذا لا يردّ؟ لماذا لا يتكلم؟
ناولتهم بعض الحلوى التي وُزّعت علينا ليلة إعلان النصر، حيث لم يستسغ  حينها حلقي المملوء غُصصا حلاوتها الزائدة، فاحتفظت بها في علبة بلاستيكية.
                     · إنها لذيذة!
صاح أحد الأطفال قبل أن يمضوا مبتهجين بها بعيدا عني.
بل أنا لا أريد حتى أن أتذكر الحرب... لكن الفتى الأشقر المار قريبا من مجلسي بهامته المنكسرة يأبى إلا أن يعيد ذاكرتي إلى هناك.
مضت ثلاثة أيام من رجوعي إلى القرية. ولايزال لساني عاجزا عن تركيب العبارات، فقط بعض الكلمات المتزاحمة. لكنّي كنت أتكلم في مكان آخر. حينها، يرتفع صوتي بقوة متجاوزا جدران دارنا، فيسمعه كثير من الجيران المستيقظين أو المتنبهين في نعاسهم، لأن صوتي لم يكن يرتفع إلا حين يكون الجميع نياما. وفي الصباح تحكي لي أمي وجدّتي كيف كانت جدران البيت ترتج من هول صراخي وكيف كانوا هم يقفزون من مضاجعهم مذعورين تكاد قلوبهم تغادر أقفاصها. محاولين بعد أن تستوعب عقولهم الغارقة في دهاليز النوم ما يجري حولهم، أن يفكّوا شفرات الكلمات المتقطعة التي تندفع كقذائف الذبابات من جوفي ثم تتساقط شظايا مشتعلة على أحلام من بلغهم مدى صوتي.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب، ولا تذكرها حتى، لكنها وفور دخولي القرية عادت متنقلة من الزمن المنصرف لتزور مناماتي، فتحلّ بثقلها ناسفة برعم أي حلم في طور تشكله وغازية أرض أي نومة هادئة. ثم أصبحت كوابيس الليل مع مرور الوقت تتراكب بكثافة عجزت عن استيعابها المساحة المخصصة لها في ذهني، فصارت عيناي تنفتحان فجأة لتكملا متابعة المشاهد التي تعرض من حولي بين جدران الغرفة النائمة في السكون والظلام، كمن يتابع فيلما أنا خلاله بطل اقتصرت مهمته على القتل. ومن لم أقتله حقيقة في المعارك قتلته في كوابيسي، ومع كل رمية قاتلة كان صراخي يرتفع بين دهاليز أحلامي البشعة. حتى إذا تخلصت من كل الأعداء ولم يُروَ ظمئي بعد من الدماء وجهت فوهة مدفعيتي أو رشاشي نحو رفقائي دون أن أعير استغاثاتهم واستعطافاتهم أدنى اهتمام. ثم أصرخ مرددا عباراتهم المستنجدة، أصرخ لأوقظ من نام على الجنب المريح من أهل قريتي. ثم ينبعث في المشهد الأخير كل قتلاي من موتهم. يتهافتون عليّ ليغرسوا أظافرهم وأنيابهم في جسدي. تمتد أيديهم لتضغط بقوة على عنقي، تخنقني فأحاول الصراخ فلا أستطيع. ثم ينهشون جسدي. يبترون أعضاءه فلا يشفى غليلهم مني. أصرخ وأصرخ فتهتزّ جدران بيتنا وكأن زلزالا حلّ ليطهّر الأرض من الدناءة التي قبحت وجهها الجميل.
لا أريد التحدث عن الحرب. لكني حين أخرج للتجول عند أطراف القرية صباحا أو مساء، لا تستطيع عيناي أن تستمعا بالجمال الذي يغطي تلال البادية المجاورة، ولا أذنيّ أن تطربا بالهدوء المسافر بسكينة في السماء، والمنبعث بإصرار من كل الأشياء المحيطة بممشاي، لأني حينها أكون واقفا عند مدفعيتي أتأمل بذهول الجثث المتناثرة والآليات المحترقة والتراب الذي لم يستسغ شرب اللون الأحمر. أتمعّن دون انقطاع وجوه رفاقي التي لم تعد تنطق بشيء أو تنبض بعرق. لقد انتقل تشوه الحرب إلى قريتي الجميلة الهادئة فلم أعد أرى حولي غير أجساد بأعضاء مبتورة ووجوه محترقة وملامح اختلط بعضها بالآخر، فيتملكني تصميم أكبر على أن أحتفظ بخيار الصمت كلما سألني أحد أن أكلمه عن الحرب.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب، لكني ربما سأكون مضطرا لذلك، لأن الفتى الأشقر اقتحم صمتي وأيقظني من ذهولي حين سألني:
                     · هل من الممكن أن تندلع حرب أخرى قريبا؟
أحرر لساني من انعقاده القديم بسؤال حفظته عن قادتي:
                     · ولماذا تسأل؟
                     · أريد أن أكون مثلك، محاربا، أتغلب على العدو وأطرده، ثم تحتفل القرية بعودتي منتصرا.
اقشعر بدني وأحسست أن الدموع ستندفع من مسام جلدي، بينما كان كثيرون من أهل القرية قد التفوا من حولنا يترصدون حديثي الذي انتظروه منذ يوم عودتي. نظرت في عينيّ الفتى نظرة عميقة لم يقطعها رمش عين بينما بذهني تتجمع جميع الأزمنة.
                     · لقد كان مثلك، يشبهك كثيرا، كأنك هو وهو أنت. كان يركض شاهرا بندقيته نحوي، دون أن ينتبه ربما إلى أنه كان في مرمى فوهة مدفعيتي. كان رفاقي يتساقطون من حولي، ورأسي يزداد انتفاخا بأمر يردده قائدي، وهو يركض صوبي، في مثل سنّك، هامته كهامتك، شعر رأسه كشعر رأسك.
توقفت عن الحكي، فأنا لا أريد أن أتحدث عن الحرب، لا أريد أن أتذكرها حتى، خصوصا هذا الجزء منها. نطقوا جميعا في صوت واحد، وكأنهم يرغمونني على الإكمال:
                     · ثم ماذا؟
فأجبت، مرتعشا، باكيا:
                     · ثم نسفت رأسه !
*********************************************************

- توفيق باميدا - (2011)                                                          "تابعونا على فايسبوك من هنا"

الأربعاء، مارس 05، 2014

ألبوم صور: القصة الفائزة في مسابقة "مجلة العربي وبي بي سي عربية" لشهر يوليوز 2013

--------------------------------------------------------------------------------------

لماذا اخترت هذه القصة؟ (منى طلبة: ناقدة وأكاديمية من مصر)
"هي من القصص النادرة التي يتمتع صاحبها بالتمكن من لغة عربية جميلة خالية تقريبًا من الأخطاء النحوية والأسلوبية، قصة محكمة البناء وحتى ماهرة في الاستبطان النفسي لشخصياتها وفي تكريسها لألبوم الصور كأيقونة للحب. إنها قصة حب جمعت بين الراوي وسميرة تواءمت فيها الأرواح وتوجت بخطبة رسمية سرعان ما انفكت لعجز الراوي عن الوفاء بالمطالب المادية لاتمام الزيجة، وظل البطل يعاني فراقه سميرة مجترًا آلامه بمناجاته الليلية لألبوم الصور الذي جمعه بحبيبته في مناسبات عدة. في رغبة الخلاص من مواجعه أرسل لها الألبوم مغلفًا إياه بورقة يستفهم فيها عما إذا كان من الممكن بيع مثل هذه السعادة التي تنطق بها الصور بهذا الثمن الزهيد؟ سميرة تتلقى الرسالة تغضب في البدء ثم سرعان ما تعاود اتصالها به لتنهي مكالمتها والقصة أيضًا بهذا القرار: «هذا الألبوم لا يمكن أن يعيش مع واحد منا دون الآخر، إما أن نحرقه وإما أن نجتمع به، وأنا صراحة لا أستطيع حرقه».

يغوص الراوي في أغوار النفس المحبة، ويلتقط دقائقها كمن يصورها ويجمعها في ألبوم للصور، يقف على ما يعتريها من شعور بالأمل بالانبساط والقوة والجمال وإقبال على الذات بالآخر، وما يعتري ذات النفس من مشاعر اليأس والهوان والانكسار حين ترد إلى وحدتها، وما يشوبها من وساوس واستعذاب للألم حين تجتر ذكرياتها كل حين، ألم تخف حدته حين يلقي البطل بكرة اللهب التي تحرقه إلى مرمى الطرف الآخر الذي تسبب في الفراق وهو سر الراحة التي شعر بها الراوي حين أرسل بألبوم الصور إلى سميرة، وما انتاب سميرة من غضب يبين ما يختلج في نفسها من مشاعر الشعور بجريرة ما صنعت وهول الإدانة، فما خلت إلى نفسها حتى وقر في قلبها أن ما جمعته الصور لا يفرقه إنسان. ذلك أن ألبوم الصور لم يعد ورقًا وإنما متكأ لما هو أبقى، أضحى أيقونة ممثلة لمعنى الحب ذاته شعورا ورسالة وعلاقة واقعية.

ألبوم الصور تجسيد لمشاعر الحب الخفية وتثبيت لمرورها الأثيري بين القلوب، ولتلك اللحظة الجامعة لكل المتقابلات الرجل والمرأة، الأنا والآخر الروحي والحسي، الحب بوصفه الوحدة الأولى المبتغاة، ولتاريخ مواقيت السعادة والمودة، فهو قرار لزمن يفر، ولروابط تشتد عبره، لا يمكن الاستهانة بها لأنها من نسجه الذي لا يمكن استعادته أو تكراره. وهكذا بدا حرق الألبوم تبديدًا لأثير المشاعر ومعجزة التوحد الإنساني ولفعل الزمن، لما يفوق ثمنه على عطايا الكفاية المادية.
--------------------------------------------

         ألبوم صور
          توفيق باميدا – المغرب
-------------------------------------------

حين أعود إلى البيت في وقت متأخر مرهق البدن مشوش الذهن، تمتد يدي للتنقيب في أشيائي القديمة وأغراض لم يعد لها من دور سوى ملء الفارغات، وأفتح نوافذ ذاكرتي المكدسة بالأحداث والمشاهد لعلي أعثر بين خاناتها على شيء يلمع قد يعيد للقلب المنكسر بعض الأمل المنصرف، ويزود العقل المنهك بطاقة تجدد آليات عمله.
وحين أمّل من التنقيب دون أن أتوصل لشيء يذكر أوصد باب الغرفة وأستلقي فوق السرير، ثم أتناول من تحت وسادتي ألبوم الصور، أقلّب صفحاته متأملا صوره بتمحيص وعناية، تاركا البهجة المنبعثة منها تلفني بخيوطها المتعطرة بأريج الأيام المنقضية، فتطبع ذاكرتي على كل صورة أبعاد اللحظة وما سبقها وما تلاها وما أحاط بها. يبتسم القلب بسمة لا يكتمل رسمها حين أبلغ نهاية الألبوم طاويا غلافه الكرتوني. أصحو من حلمي الجميل الذي شاء له الله ألا يكتمل، أطفئ النور وأنحشر داخل الملاءة داعيا كل الأحلام الجميلة لترافقني في نومتي.
سميرة لا تزال حاضرة كنجوم السماء في خيالي، في ذاكرتي وعلى لساني. سميرة شمس أشرقت حين اشتدت حلكة أيامي لتبث نورها دون تردد عبر أوعية فؤادي، وتفرش دفئها بساطات عبر طرقاتي ومجالسي. فور أن تعرفت على سميرة قررت ودون تردد طرق بابها، لتعلن لي ذات يوم من أيام خطبتنا أنني أشبه بالفارس الذي سمعت حكاياته من جدتها وقرأت عنه في قصص طفولتها، وأنها هي أميرة قد حللت أنا لألبسها تاجها.
لكني ربما في الواقع لم أكن قادرا على إلباسها التاج، فالأميرة تحتاج إلى قصر، وسميرة ستحتاج إلى مسكن، والمسكن ليس مجرد جدران وأرضية وسقف. لقد كنت واعيا بما عليّ جيدا. لكن مرور سنة من فترة الخطوبة وأنا بعد عاجز عن إحداث الفرق هو ما جعلني ألمح في عيني سميرة يأسا لم أعده منها من قبل، فلطالما بادلتني شعارات الصمود والتفاؤل وعدم الاستكانة أمام أي شيء قد يعرقل بناء أحلامنا.
ذات مساء ولجت المنزل لأجده غارقا في وجوم فظيع، أخبرتني أختي الصغيرة وأنا بعد لم أتجاوز عتبة بابه أن أهل سميرة قد ردوا إلينا هدايانا. بدا وجه أمي متيبسا، وعينا أبي حائرتين في محجريهما، بينما حاصر إخوتي الهدايا في الردهة ينهشونها بحثا عن غنيمة تناسبهم.
شعرت وأنا أعود أدراجي من المشهد الذي لم أتصور حدوثه يوما، صوب أي طريق يعزلني مع نفسي بعيدا، وكأن رمحا ملتهبا دُق بين أضلعي فأوقد النار في كل جسدي، ثم ذرت رمادي رياح عاصفة فصرت تائها عن ذاتي.
كلمتها عبر الهاتف، ذكرتها بحبي الكبير لها وأنني متشبث بها لأن روحي تشتبك بروحها، وأن توافقنا قادر على أن يجاوزنا كل ما يعترض طريقنا. ردت وكأنها تغالب نفسها:
- كن واقعيا! أحلامك مجرد سراب في صحراء أيامنا.
توالت اتصالاتي العقيمة حتى انعدمت، ثم لم يعد يوصلني بسميرة غير ألبوم الصور، أقلّب صفحاته وأحلّق مع كل صورة منه إلى المكان والزمان اللذين التقطت عندهما. أدمنت على مراجعته كل ليلة ما عجّل نفاد صبر أخي الذي يقاسمني الغرفة، فقد كان نور المصباح الذي أبقيه متوهجا حتى وقت من الليل يمنع حصوله على درجة الظلام الملائمة لإغماض جفنيه، مما اضطره وبعد مشادات متكررة بيننا إلى هجر الغرفة وتركي والألبوم على انفراد تام.
وما كان يزيد تعلقي بالألبوم هو كونه يؤرخ لفترة الخطوبة بانتظام زمني وواقعية في اقتناص اللحظة، وقد بذلت جهدا ليس بالهين لجمع الصور وترتيبها وتحقيق تاريخ التقاطها. فتلك صورة عن أول لقاء رسمي بين أهلي وأهل سميرة، وهناك صور أُخذت عند زياراتنا المتبادلة في الأعياد ورمضان، وهذه صور كثيرة عن خرجاتي برفقتها تؤكد ما مررنا به من لحظات مميزة، والمتصفح المتأمل للصور سيلاحظ بريق السعادة في عينينا وتوهجها على ملامحنا. إنه أصدق شاهد على ما أمضيناه من أوقات طيبة.
ذات صباح استيقظت مع السادسة على غير عادتي، ارتديت ملابسي ثم تناولت الألبوم من تحت الوسادة حيث هو دائما، أخذت قلما وورقة مقواة ناصعة البياض، ثم كتبت على صفحتها: «سميرة، لا أريد أن أحدثك عن مدى حبي لك، ولكني فقط أطلب منك أن تتأملي هذه الصور ثم تسألي نفسك: هل من السهل على أي إنسان مهما كان غنيا أو نافذا أو... أن يشكل في فترة وجيزة ألبوم صور كألبومنا؟ إنه شاهد لا يشهد بزور على أننا قررنا في النهاية بيع سعادتنا بثمن زهيد». ألصقت الورقة على غلاف الألبوم ثم وضعته داخل ظرف وبعثته عبر البريد العاجل.
في تلك اللحظة وبعد تخلصي من الألبوم وهجران الذكريات المتقافزة من صوره كلما ناجيته في ليلي الطويل، شعرت أخيرا بأني قد انفلت من حلقة سميرة حيث بت قادرا على الركض خارجها بكل حرية بحثا ربما عن حلقة جديدة.
ذات مساء وحين أوصدت باب غرفتي وهممت بتغيير ملابسي رن هاتفي، ففوجئت بأن سميرة هي من يتصل، بدت غاضبة وهي تصف تصرفي ببعث الألبوم إليها بالمتهور وتلقيها رسالة بهذا الشكل يسيء إلى سمعتها بعد فسخ خطوبتنا، ثم أقفلت دون أن تمنحني فرصة للتعقيب أو الاعتذار على الأقل.
استلقيت فوق السرير دون حتى أن أتخلص من حذائي، راحت غصة تتشكل بحلقي وتدفع بالدموع للتجمع عند مقلتي. لعلي الآن فقط سأتذوق طعم الألم الحقيقي الذي تجاهلته مررا بعيش وهم اللحظات من خلال تقليب صور الألبوم. فها هي المرأة التي اخترتها لتكون أميرتي قد اختارت التخلص مني.
 ظللت أنظر بعيني الدامعتين إلى مصباح السقف دون أن تؤثر شدة الضوء المنبعثة منه في قوة تحديقي. ثم رن هاتفي مجددا، كان نفس الرقم يطلبني، ترددت في الرد أولا ثم ضغطت على الزر، ليصلني صوت سميرة: هذا الألبوم لا يمكن أن يعيش مع واحد منا دون الآخر، إما أن نحرقه وإما أن نجتمع به. وأنا صراحة لا أستطيع حرقه.


-------------------------------------------
* ألبوم صور: 2011 - توفيق باميدا           "تابعونا على فايسبوك من هنا"

الخميس، نوفمبر 07، 2013

الإذاعات الخاصة، هل انزلقت إلى مستوى الرداءة؟


حين تضبط مذياعك سواء كان منزليا أو في سيارتك أو في هاتفك المحمول على موجة الإف إم، ثم تباشر البحث عن الإذاعات التي يستطيع مذياعك هذا بلوغ التقاطها، فإنك ستحصّل على عدد لا بأس به منها، بعضها يبَثّ بالعربية وبعضها بالفرنسية أو هما معا، وبعضها بالأمازيغية، وبعضها الآخر بالدارجة المغربية. والملفت للانتباه، هو أن معظمها هو إذاعات خاصة وليست عمومية.
 في الوقت الذي تم فيه الإعلان عن إعطاء نفس جديد للمشهد الإعلامي المغربي من خلال تحرير القطاع السمعي البصري، اجتاحنا الفضول لمعرفة ما ستحمله القنوات الخاصة المرخّص لها من قيمة مضافة للمشهد الإعلامي المغربي، خصوصا أن تمة فئة عريضة من المواطنين تعشق المذياع، إما متابعة له، أو تجاوبا مع برامجه عن طريق المشاركة، أو فقط الاستئناس به.
اليوم، وبعد أن رسخّت هذه القنوات تواجدها على الساحة الإعلامية، وباتت لها نسبة جدّ مهمة من المعجبين والمتتبّعين، بل إن حضورها بات أقوى من حضور نظيراتها الوطنية، واستهدفت بعض برامجها فئة معيّنة من الشباب لم يكن لهم أي اهتمام بما يعرضه المذياع ربما فقط وصلاته الموسيقية، صار لزاما على المهتمين والنقاد والباحثين التوقّف على هذه الظاهرة، ودراستها دراسة مستفيضة ومتأنّية، فهي تمسّ مباشرة عصب المجتمع عبر نقل الأفكار والآراء والمقترحات وما إلى ذلك، بواسطة لغة وأسلوب معّينين، إذ أنّها وكوسائل الإعلام الأخرى تعتبر سلاحا ذا حدّين.
وحتّى لا أعمّم حديثي هذا على كل الإذاعات الخاصة المغربية، فإني أستثني بعضها، وأشير إلى أنّ أغلبيتها قد أثارت انتباهي في بعض المسائل المتعلّقة بالشكل والمضمون في بعض برامجها التي تلقى اهتماما كبيرا من طرف المواطن المغربي عاشق المذياع. وأعني بالشكل هنا اللغة المتداولة، والأسلوب المتبّع في تقديم هذه البرامج. وأقصد بالمضمون المواضيع التي تتطرّق لها والأفكار المتداولة خلالها. ناهيك عن الرسائل التي يتم تمريرها بين هذا وذاك.

أوّلا: اللغة والأسلوب
إنّ اللغة المعتمدة من طرف بعض مقدّمي البرامج هي لغة مبتذلة أقرب إلى لغة "الشارع"، حيث استعمال الألفاظ والتعابير التي تحدث تلوّثا سمعيّا لدى المستمع. وعلى سبيل المثال فقد يفاجئك، مقدم أحد البرامج وهو يستعمل عبارة ستجعلك تتصبّب عرقا إن سمعتها وأنت وسط أفراد عائلتك. وفي أحيان أخرى تحسّ وكأن مقدّمي البرامج وضيوفهم يجلسون في مقهى بينما أنت تسترق السمع إليهم، حيث النكات المبتذلة والضحكات العالية والتهريج بل قد يعمد المقدّم مثلا إلى معاكسة زميلته والتي تردّ عليه هي الأخرى بضحكة عالية.

أما بعض الإذاعات فهي تعمد في بعض برامجها إلى استضافة فكاهّي يحادث المستمع بلغة مبتذلة لا ترقى إلى المستوى المرجوّ، بل إنها تدفعك إلى الاشمئزاز من متابعة الاستماع.

أيضا، تعمد بعض الإذاعات إلى تقديم نشرتها الإخبارية بالدارجة المغربية، ونحن نعلم أن الدارجة هي خليط من العربية والفرنسية وألفاظ أخرى، فتتداخل اللغات، وينزل مستوى التعبير، ونحصل على شيء مثل هذا القبيل: "ربحات الفرقة ديال مانشيستر يونايتد على الفرقة ديال مانشيستر سيتي في مبراة الديربي اللي جمعاتهم البارح في البريميير ليغ، البطولة الإنجليزية، بنتيجة ثلاثة لجوج، وسجّل المهاجم الهولاندي فان بيرسي... "

ثانيا: المواضيع والأفكار
تعمد جلّ هذه الإذاعات إلى الخوض في مواضيع تصنّف على أنها "طابوهات" خصوصا "طابوه" العلاقة بين الرجل والمرأة، وغالبا يتم ذلك عبر استضافة خبير أو طبيب أو شخصية مشهورة، إضافة إلى تلقّي اتصالات المستمعين للمشاركة. عندها يتمّ الخوض في أمور بالغة الحساسية، ويعمد المتصّل أو المقدّم أو الخبير إلى تفصيل الإشكالية تفصيلا دقيقا، عن طريق استعمال أوصاف وتفسيرات جدّ مبالغ فيها.
هذه المواضيع بالنسبة للمشتكي هي أمور شخصية، فإن وجب عليه طرح مشكلته النفسية أو الجسدية للعلاج فهذا يتم عن طريق زيارة الطبيب بشكل يضع المسألة في طابع سرّي خاضع لأخلاقيات المهنة، وليس عن طريق إذاعة المشكل والخوض في تفاصيله أمام الملأ ودون مراعاة ضوابط المجتمع المغربي "المحافظ"، والذي من المفروض أنّه يستحيي من مشاركة العائلة أو بعضه البعض الإنصات لمثل هذه المواضيع.

 أيضا، هناك بعض البرامج التي تناقش مواضيع اجتماعية كاختيار شريك العمر والزواج عبر الأنترنيت مثلا، وذلك عن طريق تلقّي مشاركات المستمعين عبر المكلمات الهاتفية والرسائل القصيرة والبريد الإلكتروني. هنا، وفي كثير من الأحيان يتخذ الموضوع طابعا هزليا، لا سيما أن بعض المتصلين يعمدون إلى التدخل بطريقة فكاهية، وبأسلوب التنكيت المحشو بالسخرية، فتضفي مقدمة البرنامج وهي تنفجر ضاحكة مزيدا من الابتذال والرداءة على جو البرنامج الذي من المفترض أن يناقش المسألة بجدّية وموضوعية، عن طريق التحليل واقتراح الحلول. نفس الشيء ينطبق على برامج المسابقات، فهي تتم هي الأخرى في طقوس من التطبيل والضحك المجاني.

أما بعض المقدمين، فأنت تجدهم يخاطبونك من برجهم العاجي، وكأنك تلميذ في حضرة معلم صارم، حيث يبدو عليهم الانفعال الزائد. إذ ترتفع أصواتهم بشكل عصبي وتشتدّ لهجتهم، وهم يلقون على مسامعك خطابا في صيغتي الأمر والنهي. 

وجهة نظر:
إن كل ما أسلفت ذكره هو مجرّد ملاحظات عمّ أثار انتباهي، أو بالأحرى استيائي، فيما يخصّ بعض برامج قطاعنا السمعي الخاص. وهي لا تعدو في النهاية كونها وجهة نظر خاصة، قد يتّفق معها البعض وقد لا تروق إطلاقا للبعض الآخر. كما أنها، كما أشرت سابقا ليست معمّمة على كل البرامج أو كل الإذاعات، حيث أن بعض البرامج الإذاعية يتمّ تقديمها بمهنية عالية، وتتناول مواضيع هادفة، بأسلوب يحترم خصوصيات المجتمع ووعي المستمع، بعيدا عن الابتذال والفراغ اللغوي والموضوعي.
وفي انتظار أن يتمّ النهوض نهوضا واعيا وهادفا بإعلامنا السمعي والبصري والمكتوب، فإننا كمتابعين سنكون ملزمين ببذل جهد مضاعف لاختيار ما يتماشى مع أذواقنا، لا سيما أنّ للرداءة والميوعة عشاقها الذين يتسابقون من أجل ربط الاتصال بهذا البرنامج أو ذاك المقدم أو المقدمة. وسنستمر في التساؤل: هل يتعمّد المشرفون على تلك البرامج أن تكون برامجهم رديئة، أم أنهم ببساطة يخفقون في كل مرة في تجاوز الرداءة، أم لعلهم يحسبون أن ما يقدمونه هو بعيد كل البعد عن شيء اسمه رداءة؟

طاب يومكم
توفيق باميدا




الجمعة، أغسطس 09، 2013

نفحات العيد (قصة قصيرة)

بمناسبة عيد الفطر المبارك، أقترح عليكم قصة "نفحات العيد" من مجموعة "حين تهوي القلاع" الفائزة بجائزة القناة الثانية 2009م.
قراءة ممتعة وعيد مبارك سعيد.
                                                                                                  


    نـفحـات العـيـد    

 إنها  ليلة العيد، وبعيدا عن كل الصور المألوفة تشكلت صورة مختلفة، صورة تنبعث عبرها الأوجاع من الأعماق السحيقة للقلبين الذين ظلا ينصهران تحت ستارة صامتة منذ زمن بعيد، حين رحل الأبناء الذين كانوا بالأمس كالثريات المضيئة...غادروا العش الكبير محلقين نحو أعشاشهم الجديدة، رحيلا اقتلع الجذور وهشم الأغصان المتشابكة في حنان.
تلتقي نظراتهما الذابلة عبر الضوء الخافت القادم من الغرفة المجاورة للفناء، ولا صوت تنبس به الشفاه فيقتحم السكون الجاثم على المكان. ينتظران بأمل قاتم أن يجيء الصوت من مكان آخر فيدفع الصمت والسكون الثقيل والآلام بعيدا عنهما، قد يبعث به الباب الواجم قبالتهما، أو ربما تلين الخيوط المتصلة بالهاتف فتمر عبرها كلمات تحمل دفئا وحنانا وأنسا. ينقر الشيخ بعكازه وجه الأرض برتابة دقات الساعة المعلقة أعلى رأسه، بينما تسبح العجوز بنظراتها في الفراغ، كأنها تلاحق رمضان المنصرف بوجه حزين، تسترجع أيامه وساعاته التي لم تحمل جديدا يثلج صدريهما ويرسم على فاهيهما البسمات.
بيديها المرتعشتين فتحت النافذة، فاستقبل جسدها النحيف تحت الإزار الواسع نسائم العيد القادم، ثم اقتحمت مشاهد الأطفال الفرحين ملء جفونهم بملابس العيد الزاهية أسوار وحدتهما، وتسللت ضحكاتهم الواثبة وكلماتهم المتقطعة إلى جوف الدار الواجمة، لتغير رتابة دقات العكاز ساحبة صاحبه نحو النافذة يتطلع للحركة المميزة خارجا.
-         لا أعتقد أن أحدا سيجيء الليلة.
قالها بصوت خافت.
لم تستطع العجوز التعقيب، فقد سلبتها الدموع المنهمرة القدرة على الكلام. أغلقت النافذة، فاصلة بين البهجة المتألقة والألم المتراكم ككومات من الإسفلت.
بدا الليل موحشا متربصا بهما، فقد استمرت الجدران الباردة في بعث صمتها، وعجز السكون الثقيل عن تنويم جفونهما. حركة الأحفاد يلعبون في كل الأرجاء، وجلسة الأبناء يسردون حكاياهم، وسهر البنات يعددن الطعام، شكلت أبعاد صورة ظلت مرسومة أمامهما كثوب شفاف تعبث به عواصف الخريف...ثم حل الصباح حاملا معه نفحات العيد، روائح الحلوى والرغيف، كلمات دافئة، وضحكات ترتفع في كل أركان الحي...عاد الشيخ من مصلاه ترافقه بسمة تشكلت هناك، وزوجته لم تزل غارقة في يم حزين متدفق بأمواج من الدموع، باعث بأنين خافت صاعد من بين أضلعها. اختار مكانا على مقربة منها، ثم قعد جاعلا ناصيته على ظهر يده المستندة على العكاز مقطبا جبينه ومغمضا عينيه.
لم يلبث طويلا على حاله، إذ انبعث صوت قرع على الباب، أسرعت العجوز نحوه وظل هو واقفا يترقب. مسحت دموعها بكمي ثوبها، ودون تردد فتحته... فوجئت بطفل صغير ظنت أنها تعرفه، مبتسما ناولها صينية من الرغيف والحلوى قائلا:
-         بعثت أمي هذه لكما، وباركت لكما العيد، وتخبرك أنها ستزورك في المساء.
قبلت جبينه.. ثم اتجهت صوب المطبخ...أعدت الشاي...وضعته والصينية أمام زوجها طالبة منه أن يسكب منه لهما.
تمتد الأيدي المخطوطة بالتجاعيد نحو الحلوى...تقطع الرغيف. تتلعثم الأفواه الجافة بعبارات قصيرة... ثم أسئلة وأجوبة... ثم حديث طويل.
                                                         
"حتى لا ننسى أحباءنا في الأوقات المميزة، عيدكم مبارك سعيد، أدخله الله عليكم بالخير والبركات."
توفيق.

الاثنين، يونيو 24، 2013

إصرار - القصة الفائزة في مسابقة قصص على الهواء لشهر فبراير 2009

بسم الله الرحمن الرحيم







(منقول بتصرّف عن موقع: مجلّة العربي  (http://3arabimag.com

مجلة العربي - العدد 603 - 2009/2 - آداب - فخري صالح

قصص على الهواء
* قصص لأصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية

---------------------------------------------------------------------

- لماذا اخترت هذه القصص؟         (فخري صالح: كاتب وناقد أردني)

 "تتخذ قصة «إصرار» لتوفيق باميدا من قوة العزيمة مادة لها تنسج منها حكاية قصيرة مكثفة مختزلة. من خلال الوصف الدقيق لرحلة الرجل وحماره بحثا عن جذع شجرة يحتطبه الرجل. ويتميز أسلوب الكاتب بنوع من المتابعة السردية الحثيثة للجو العاصف وسقوط الثلج المتتابع والوهن الذي يصيب الرجل وحماره في رحلتهما الصعبة في عالم يكتسي بالبياض ويهدد بالموت. إنها قصة مكثفة تدرك معنى القصة القصيرة وكثافة عالمها وطاقتها الفياضة التي تنبع من تركيزها بؤرة عدستها على خيط دقيق من الأحداث، ليصل الكاتب في النهاية إلى لحظة التنوير النهائية. "
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

                                              
إصـــــرار
توفيق باميدا (المغرب)

         يوم آخر شديد البرودة، على نقيض ما صرح به المذياع فإن الشمس لم تطل من تحت السحاب الكثيف لتبث ألسنتها الدافئة عبر الوجود، فالثلج لا يزال ساطعاً بعناد فوق الأرض التي تناسى الناس كيف كان شكلها قبل أن تبيض.

       بدت خطواته أكثر تهالكا وظهره أكثر انحناء وهو يخط طريقه، متبوعاً بحماره ذي المركبين الخشبيين، يجره بقوة من لجامه بينما تقبض يده الأخرى على فأس متوسطة الطول. عبر خيشوميه وفمه تتسرب أنفاسه الساخنة التي ما تكاد تلامس النسائم الباردة حتى تصير بخاراً.

الأفق الأبيض أمامه يزداد امتداداً واتساعاً، حتى التلال البعيدة باتت كشريط أبيض يؤطر النظر داخل لون واحد زاه. للحظة، قد يفكر في التنازل عما انطلق من أجله، لكن صورة أجساد أبنائه وهي ترتعش تحت البطانيات الثقيلة وعيونهم المتراقصة تحت ضوء الشموع الكئيبة جعلت كل شيء يبدو هينا.

    في بداية الشتاء كثر الحديث بين الناس عن الصبية الذين ماتوا من شدة البرد في الجبال المجاورة، أحس بالقلق يستوطن كيانه، ثم تضاعف حين أبان الشتاء عن أنيابه الحادة. ألسنة اللهب كانت كفيلة بأن تصد الهواء البارد بعيدا عن بيته، لكن حين أتت النار على كل ما خزن من الحطب، تحول الكوخ الفسيح إلى ثلاجة تجعل كل من فيها يرتجف وأسنانه تصطك.

     قبيل الفجر جر حماره وبدأ رحلته لعله يصادف أغصاناً متناثرة على الأرض، ولكن الثلج كان كثيفاً بحيث لم يكن ممكناً تمييز الأشياء التي يغطيها، والإقدام على الحفر سيكون مضيعة للوقت. المسيرة تطول ولا شيء يلوح فوق الأرض، التعب يزيد قدميه تجمدا والحمار أبان عن استسلام غريب وهو يصعد إحدى الربوات. راح يفكر في الأشجار التي تتناثر في المنطقة لعله يلمح إحداها في مكان قريب، بيد أن الوجود بدا صفحة واحدة بيضاء.

     وحين لاح طيف اليأس قريبا منه، فراحت قواه تخور تدريجياً إلى حد أنه استأثر الموت فوق الجليد وحماره على الرجوع صفر اليدين إلى منزله، لاح في الأفق أمل جديد. كرة سوداء تقبع فوق تلة قريباً منه، حين بلغ القمة وجد كرته السوداء هي ضالته التي خرج ينشدها، جذع شجرة أو ما تبقى من الشجرة. بين الغبطة والنشوة وجد نفسه يهوي بكل قوته على الجذع، يضرب ويضرب ومع كل اصطدام بين هدفه والفأس كان جسمه يرتد بقوة إلى الخلف. ثم توقف ليكتشف أن فأسه لم تترك أثرا على الجذع، لقد كان متجمداً، متصلباً بفعل الصقيع والثلج.

    لم يكن من حل أمامه سوى تسديد ضربات أكثر ضراوة، جمع أنفاسه وأحكم قبضته للفأس، رجع خطوة إلى الخلف وركز بصره على مكان محدد في الجذع. وقبل أن يهم بتسديد ضرباته أحس بنعومة وبرودة حبيبات الثلج المتساقطة على وجهه. ثم سرعان ما صارت الكتل البيضاء تتشكل فوق كتفيه ورأسه وظهر حماره، وفوق الأرض بأحجام أكبر. نظر صوب الأفق الذي بدأت معالمه تتبدل واستنتج أن الرجوع بعد دقائق سيكون صعبا.

   حلق صوت فأسه وهي تهاجم الجذع عالياً مخترقاً مرة أخرى الصمت الأبيض، بضربات أقوى أدت أخيراً إلى إحداث شرخ صغير. توقف ليستجمع أنفاسه، أحس بسخونة في يديه، كانت تشققات رقيقة قد تقاطعت عبر راحتيه، ما لبثت أن احمرت وازدادت عمقاً واتساعاً، كان الألم يزداد حدة كلما زاد من شدة إحكام قبضته للفأس، بينما وجدت القطرات الحمراء مستقراً جديداً، قرب قدميه، مازجة بين حمرتها والبياض، مصرة على أن تلون الثلج بلون آخر.

    لم يعد للألم وجود حين راحت صلابة الجذع تستسلم بخضوع للضربات العنيدة المتتالية، التي أرغمت الفأس على اختراق مركزه. هذه المرة لم يتوقف عن توجيه الضربات إلا حين رأى الجذع وهو يهوى صريعاً، صاح في غبطة بأعلى صوته ولكن الطريق التي جاء منه لم يعد لها وجود، تناثرت الكثبان الثلجية بأحجام يصعب اختراقها. شد الحمار من لجامه بعد أن ربط الجذع بحبل ثم مده ليلفه حول جسم الحيوان.

    انغرست قدمه بعمق إثر أول خطوة، ثم تتالت الخطوات المصحوبة بآلام في اليدين المتشققتين، في الظهر وفي كل الجسم. هوى على ركبتيه، ثم نهض، ثم هوى من جديد، ثم هوى على وجهه. امتلك التعب كل جسده، خرت قواه عن آخرها. تمسك بعنق الحمار في محاولة للنهوض. تنفس بصعوبة، ثم واصل بصعوبة خطواته الثقيلة.

    راحت صورة الأفق تتغير وباتت الأكواخ البعيدة تقترب وأبعادها تكبر. ثم وأخيراً..ومن وسط الصقيع المتخفي تحت الظلام الدامس، انبعثت نار صارخة تهب للمكان وأناسه دفئا ونورا.

(منقول بتصرّف عن موقع: مجلّة العربي  (http://3arabimag.com

.

الخميس، فبراير 21، 2013

ضيفا بمجلة "العربي الحر" بقصة: "رجل دون مأوى"

بسم الله الرحمن الرحيم


أتقدم بالشكر لمجلة "العربي الحر" الإلكترونية في شخص رئيس تحريرها الأستاذ "نزار الزين" لاستضافتها لي على صفحاتها وذلك من خلال قصة "رجل دون مأوى".

لزيارة الصفحة اضغط هنا: رجل دون مأوى


طاب يومكم
توفيق باميدا

الاثنين، ديسمبر 17، 2012

السينما المغربية، هل تتعمد محاربة الإسلام؟



بسم الله الرحمان الرحيم


قبل سنتين أو ثلاث، وجدتني ذات مساء أنشدُّ لفيلم سينمائي يُعرض على القناة الثانية. وما شدَّ انتباهي أكثر لهذا الفيلم كونه قد حظي حين عرضه في السينما أو قبيل ذلك بهالة إعلامية مُلفتة، وقد تم حينها تقديم برنامج في نفس القناة استضاف مخرج الفيلم وممثليه  قصد التعريف به وربما أيضا الإعلان له.

هذا الفيلم أُنتج سنة 2007م، أخرجه وكتب سيناريوه أحمد بولان، وشارك فيه مجموعة من الممثلين الذين يعرفهم الجمهور جيدا، أمثال يونس ميكري، إدريس الروخ، آمال عيوش، أمينة رشيد، رفيق بكر... والفيلم مقتبس عن قصة حقيقية، حدثت  سنة 2003م، حين اُعتقل 14 شابا مغربيا من عشاق موسيقى "الهارد روك" و"الميتال" بتهمة عبادة الشيطان. وقد أثارت هذه القضية ضجة إعلامية كبيرة وردرد فعل متعددة تمثلت في وقفات احتجاجية نظمتها المنظمات الفنية والمدافعة عن الحريات الشخصية. ومن هذه القضية استوحى أحمد بولان عمله، معتمدا على شهادات هؤلاء الشباب وآبائهم ومرافعات المحامين.

لعلّ أول ما يثير الانتباه في هذا الفيلم هو عنوانه: "ملائكة الشيطان"، فهو متكون من كلمتين متناقضتين: ملاك وشيطان. لكن الأخطر هو أن كلمة "ملائكة" مضافة إلى كلمة "الشيطان"، بمعنى أن "ملائكة" منسوبة إلى "الشيطان"، أي أن هؤلاء "الملائكة" هم تابعون للشيطان، رغم أن الجميع يعلم أن ميزة الملائكة في الأصل هو أنهم  تابعون لله وحده، عابدون مطيعون له سبحانه.

إذا، وبمكر أدبي، وظّف كاتب الفيلم ومخرجه مجازا يستعير صفات الملائكة في علاقتها بالله ليسقطها على هؤلاء الشباب الموسيقيين في علاقتهم بالشيطان. وهو هنا يجعل للشيطان ملائكة كما لله سبحانه ملائكة، وهذه استعارة بالغة الخطورة.

قد لا يهمنا إن كانت موسيقى الهارد روك تحتفي بالشيطان وتمجده، أو إن كان هؤلاء الشباب يتعمدّون نشر تلك الأفكارالمنحرفة أم لا أو أن الأمر بالنسبة لهم مجرد فن لا غير، بل ما يهمنا إضافة إلى العنوان الغريب، هو بعض المشاهد التي حملها الفيلم والتي أساءت إلى بعض شعائر الإسلام، كالسخرية من الوضوء، وكالشخصية المتعصبة والغير مهذّبة التي ظهر بها المحامي الملتحي... وهذه المشاهد أبرزت بوضوح نية الفيلم في الاستخفاف بالتعاليم الإسلامية.

فالفيلم في النهاية يحمل في جعبته رسائل تصبّ في اتجاه الدفاع عن الحريات الفردية، ويضرب بعرض الحائط القيم التربوية والضوابط الأخلاقية، ويدعو إلى مواجهة "المتطرفين" كما أبرزهم الفيلم، بدل مراقبة الشباب المتحررين أو المنحرفين.

"ملائكة الشيطان"، ليس هو الفيلم الوحيد في خزانة السينما المغربية الذي أخذ على عاتقه هذا التوجه، بل هناك أفلام قبله وبعده حذت الحذو نفسه وبأشكال متعددة، كفيلم "ماروك" مثلا.

السينما المغربية اليوم في عمومها هي سينما لا تتطرق للمشاكل الحقيقية التي يتخبّط فيها المجتمع وتحاول إيصال الصورة الحقيقية عنه، بل هي تمارس دورها التجاري بعرض إما أفلام ساذجة، أفلام سعيد الناصري نموذجا، أو أفلام هدفها هو إبداع المشاهد المنحلّة قصد ربح مادي وتضليل أخلاقي، أو أفلام برسائل ضد القيم والأخلاق أو حتى التعاليم الإسلامية.

طاب يومكم
توفيق باميدا






من غرينكا إلى "معركة"... حروب مستمرة.

كتب الأديب الأستاذ عز الدين التازي قصته غرينكا مستلهما ربما فكرتها من لوحة بيكاسو الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه: غرينكا. وكتبت أنا قصة معركة ...