الثلاثاء، ديسمبر 31، 2019

عندما تُسلب حرية الإبداع - قراءة مختصرة في رواية ضجيج العصر لجوليان بارنز


يعتبر جوليان بارنز من كتاب ما بعد الحداثة في الأدب الإنجليزي. وتتميز كتاباته الروائية بسبر ذاكرة أبطاله، ووصف حالاتهم النفسية والذهنية عبر أزمنة مختلفة من حياتهم. كما أنه يتجنب الاعتماد على الأساليب الكلاسيكية في الحكي، إذ يميل إلى استخدام تقنيات تيار الوعي.  ويناقش القضايا بعمق ورؤية فلسفية، تتطلب تأنيا من القراء عند تناولها. كما فعل في روايته الإحساس بالنهاية المتوجة بجائزة مان بوكر 2011.
وفي آخر أعماله المترجمة إلى العربية؛ رواية "ضجيج العصر"، ينطلق جوليان بارنز من سيرة حياة الموسيقار الروسي ديمتري شوستاكوفيتش، ليصوغ لنا رواية تأمليّة في علاقة السلطة بالإبداع الفني، خلال فترتي حكم ستالين للاتحاد السوفييتي وما بعدها.
يغوص بارنز في ذاكرة بطل الرواية، شوستاكوفيتس، فيجعل الأحداث والأفكار تقفز بنا إلى أزمنة مختلفة. ففي كلّ مرّة يكون رجوع إلى الخلف وتقدّم ثمّ رجوع آخر. فيكون عليك أن تتريّث قبل أن تبدأ في نسج خيوط الأحداث.

بارنز قسّم الرواية إلى ثلاثة أجزاء: في الرواق، في الطائرة، في السيارة. لكلّ مكان في هذا التقسيم دلالته التي ترتبط بما ينعته بارنز بمحادثات السلطة الثلاث. هي تختلف عن بعضها في كيفيّة وزمن الحدوث، لكنّها تصبّ جميعا في اتجاه نفس الهدف، وهو إعادة صياغة ديمتري شوستاكوفيتش على المنوال الذي تريده السلطة.
"أرادوا هندسته كما فعلوا مع البقيّة. أرادوه أن يعيد صوغ نفسه، كعامل مستعبد في قناة البحر الأبيض. " (ص.: 111)
 محادثات السلطة الثلاث
§      المحادثة الأولى:

منذ البداية يكشف لنا الكاتب عن السبب الرئيسي الذي سيدخل شوستاكوفيتش في دوّامة الصدام بالسلطة، والذي تجلّى في عدم إعجاب السلطة، في شخص ستالين، بأوبراه: 

"السيدة ماكبث من متسنسك". لذلك نجد أنّ بارنز قد تعمّد وضع القارئ داخل مشهد عزف الأوبرا على مسامع ستالين ورفاقه، وكيف جاء مباشرة ردّ فعلهم. 
الآن، ينقلب كلّ شيء رأسا على عقب بالنسبة لشوستاكوفيتش. فصحيفة البرافدا، التابعة للحزب الحاكم، تصدر مقالا ينال من أوبراه، إذ وصفتها ب"الضجيج بدل الموسيقى"، وجعلت منه هو "عدوّ الشعب". وقد كان هذا كافيا لأن يجعل النقاد الذي أشادوا بالأوبرا في البداية ينقلبوا ضدّه، منوّهين بما قالته البرافادا، رغم النجاح الذي حقّقته الأوبرا خارج الاتحاد السوفياتي، بل إنّ السلطة رأت في ذلك النجاح دليلا قاطعا ضدّ صاحبها. فكانت النتيجة أن تمّ حظر أوبراه: "سوف تقعّد أوبراه الآن كما كلب أغضب سيّده فجأة فأمره بالقعود". ولمّا كان شوستاكوفيتش مقرّبا من شخص مدان (المارشال توخاشفسكي) كانت النتيجة أنّ تحرّك السلطة آلتها البيروقراطية فتخضعه للاستجواب والتحقيق في مؤامرات سياسية.
بالنسبة للموسيقيّ الشاب، وفي ظلّ التصفيات الجسدية والمنافي، فحياته قد انتهت. وقد برع الكاتب في وضعنا أمام صورة شوستاكوفيتش وهو يقضي الليل بالرواق عند باب المصعد بمحلّ سكناه، يحمل حقيبة أغراضه، منتظرا أن يجيء رجال السلطة لأخذه قصد التصفية أو النفي. وهنا لم يفت بارنز، أن يزيد مشاعر القلق نضجا في خيال القارئ، حين أشار إلى أن شوستاكوفيتش يفعل ذلك حماية لزوجته وابنته النائمتين من أن تطالهما أيضا مخالب السلطة.

§      المحادثة الثانية:




ينقلنا بارنز الآن إلى الطائرة، عبر رحلة شوستاكوفيتش من روسيا إلى الولايات المتّحدة، في إحالة على الحرب الباردة، وكيف أنّها تلقي بظلالها أيضا على عالم الموسيقى. لذلك قد يصير الملحّن الموسيقي عدوّا يشكّل تهديدا للنسق الإبداعي الذي تفرضه السلطة على الكتاب والفنانين وغيرهم، فتبدأ السلطة بإيجاد حلول، للنيل من هذا الخصم المفترض مستخدمة أمكر الحيل، ببساطة تجعل من ديمتري شوستاكوفيتش أحد ممثلّي الاتحاد السوفياتي بالمجلس الثقافيّ العلميّ للسلام العالمي بنيويورك، يلقي خطابا أعددته له آنفا، عبره ينتقد موسيقاه وموسيقى آخرين لا طالما قدّرهم. وبذلك، يعطينا الكاتب انطباعا إلى أنّ السلطة تعمد على تطويع المتمردّين على النهج الموسيقي الذي تحدّده هي، بالدفع بهم إلى الاعتراف بزلّاتهم، والكفّ عن إبداعات تروم الفردانية وتتعارض مع الفكر المجتمعيّ المشترك: "السلطة إمّا أن تقتلك أو تلحقك بك العار".
§      المحادثة الثالثة:
يحدث ذلك في زمن آخر. إذ يبدو أنّ شوستاكوفيتش وقد تقدّم في العمر، يجلس في المقاعد الخلفيّة لسيّارة بسائق تحت الخدمة. فبعد وفاة ستالين، تجيء حقبة جديدة، مغايرة.  هذا ما يبلغنا به بارنز مباشرة. ويتنفّس شوستاكوفيتش الصعداء. لكن السلطة، مع كلّ التغييرات التي طرأت، ما تنفكّ تعود إليه، وتعرض عليه بإلحاح منصب رئيس الاتحاد الفدرالي الروسي للملحنين. وبينما هو يتشبّث بالتملّص من ذلك، تخبره السلطة عبر رسولها "بوسبلوف"، أنّ عليه أوّلا الالتحاق بالحزب الشيوعي. يستميت شوستاكوفيتش هذه المرة أمام السلطة، لكنّ ضغط  بوسبلوف كان رهيبا: "تحت ضغط السلطة، تتصدّع النفس وتتشقّق".

§      محادثات من جانب واحد:
بعد ذلك اسمترّت السلطة في الحديث إلى شوستاكوفيتش، ليس كالمرات السابقة. الآن، هو يصغي فقط وينفّذ. على وجه التحديد هو يوقّع باسمه مقالات ستنشر في البرافدا، لم تخطّها أنامله، تنال من موسيقيين وكتاب، رغم تقديره لكثير منهم.

تعبّر هذه المحادثات، عن الترويع الذي يتعرّض له الإبداع في ظلّ سلطة لا تريد سماع غير صدى صوتها، تردّده الجماهير خلفها، فتحرّك لأجل ذلك دواليبها، لإحكام السيطرة، والنيل من أيّ صوت آخر، مهما كان صغيرا، تشكّ في أنّه قد يربك الأداء العام لأوركستراها أثناء عزف سيمفونيتها.
شوستاكوفيتش، كنموذج عن ذلك، كان حالة إنسانية هشّة واجهت وحشا ضاريا. لذلك نجده (شوستاكوفيتش)، يغوص في ذاته بحثا عن أجوبة لأسئلته وعن مبرّرات لأفعاله. لقد رأى نفسه جبانا، مادام على حسب رأيه، قد عجز عن الانتحار وعن المواجهة. لكنّه في المقابل، وجد مبرّرات لذلك: "لكن لم يكن من السهل أن تكون جبانا...، لأن تكون بطلا عليك ان تكون شجاعا للحظة فقط... لكن، لأن تكون جبانا، عليك أن تقبع في مهنة تستمرّ مدى الحياة." (ص.: 185). ووجد مبرّرات أيضا لإمكانية أن يجمع الإنسان بين صفتي الفساد والصلاح في نفس الوقت، مادام هو واثقا من كونه صالحا. بينما قد يراه الناس، حسب ما جعلته السلطة يقترف، شخصا فاسدا.
ضجيج العصر رواية عن ماهية الفنّ، عن الحقيقة، عن الحرية، وعن الوعي، عن معاني الشجاعة والجبن، وعن آخر ملاذ يمكن أن يبقى أمام إنسان سُلبت حياته وروحه في مواجهة منظومة سلطوية تمتلك من أصناف طرق الترويض ما يجعل الصمود أمامها أمرا صعب المنال.

* جوليان بارنز: روائيّ إنجليزي من مواليد 1946. عضو الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوميعتبر من كتّاب ما بعد الحداثة في الأدب الإنجليزي. فازت روايته "الإحساس بالنهاية" بجائزة مان بوكر سنة 2011.
** ضجيج العصر: صدرت الطبعة الأصلية سنة 2016، بينما صدرت النسخة المترجمة، سنة 2019 عن "مجموعة كلمات"، الشارقة. ترجمة: عهود المخيني.



"توفيق باميدا"

الاثنين، سبتمبر 17، 2018

إصدار جديد: شهريار يحكي ويقص - رواية

شهريار يحكي ويقصّ:
 
"في البداية تكون الحكاية، وفي النهاية أيضا. هذا ما صرت أؤمن به. وبرأسي حكايات كثيرة، خلفها تتوارى تلك التي أسميها حكايتي
خمس سنوات تلك التي أمضيتها بهذا المحلّ، بهذا الحيّ، بهذه المدينة. خمس سنوات قضيتها مع هؤلاء الناس، مع هذه الحرفة، في هذا العالم الاستثنائي الذي جعلني أعيش بحكايات الناس وأنسى حكايتي، حتّى ظننتني شهريار زمانه، الذي يتلذّذ بسماع الحكايات قبل أن يضرب بمقصّه آخر شعرة زائدة على رؤوس زبائنه. حكايات صارت تجري جريان الدّم في شراييني، تعمر ذاكرتي، وتثير خيالي. حكايات توقظ فيك شغف الطفولة في تتبّع تفاصيل حكايات الجدّات، حين تنتصب الأذنان في انتباه، ويَسيل الفضول لعابا لا يجفّ إلا بطرح سؤال جديد، قد يُزيل بعض الغموض عن شيء مثير للاهتمام."







الأربعاء، فبراير 18، 2015

عائد من الحرب (قصة قصيرة) - توفيق باميدا -


                    (ملحوظة: هذه القصة تحتوي على مشاهد قد يعتبرها البعض مؤلمة أو صادمة)
*******************************************************
إهداء:
إلى كلّ ذي ضمير وإحساس، يتمنّى أن يتوقّف شيء بالغ البشاعة اسمه: الحرب
*******************************************************
اليوم أعود من الحرب. ولا أريد أن أتحدث عن الحرب.
تستقبلني القرية محتفلة مبتهجة، بينما عقلي يطير إلى قرى أخرى ودواوير أعلم أن  نساءها الآن يلطمن وجوههن ويواري رجالها دموعهم عن أنظار أبنائهم، لأن أبناءهم الذين كانوا رفقتي على خط النار لم يعودوا أو عادوا في صناديق.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب، لكن جدتي وبعد أن قبّلت رأسي وأطلقت زغرودة أيقظت شعر جسدي المتحفز تسألني:
                     · هل طردتم العدو يا بني؟
أنظر بعيدا عنها دون أن تسمع مني ردا.
أُخذنا إلى بلد آخر لنحارب العدو، شهورا ظللنا هناك نتطاحن معه حتى أُخبرنا أنه قد عاد من حيث أتى، فعدنا نحن أيضا من حيث أتينا. ثمّ أُعلن أننا حققنا النصر. لكنني لم أتذوق طعمه، أقصد طعم هذا النصر.
حين كنت أرى مجموعة من الجنود تفرّ مذعورة من فوهة مدفعيّتي منسحبة إلى الخلف لم يكن يبلغني الإحساس بهذا الطعم. صغيرا، حين كنت أسجّل هدفا في مرمى الخصم أو نفوز في مباراة أو عندما ألتقط اسمي ضمن لائحة التلاميذ الناجحين أو حين يقتني لي أبي أو أمي لباسا جديدا أو لعبة، كنت أتذوق هذا الطعم الجميل، مزيج من نشوة الظفر وإحساس بالفخر. لكنني وأنا أسحق العدو بقنابل مدفعيّتي أو يزدان كتفي بنياشين برّاقة، أو عندما تستقبلني القرية بالزغاريد والزهور، لم أجد في كل هذا ما قد يدفع بتلك الأحاسيس لتلامس قلبي الذي لم أعد واثقا إن كان لا يزال موجودا في صدري.
تأخذني أمي بقوة بين أحضانها، فيحسسني الدفء المنبعث من أرجاء جسدها أني ما زلت ذاك الطفل الصغير الذي كلما تلقى أمرا لا يسرّه عاد ليرتمي بين ذراعيها ساكبا دموعه وشكواه. ولولا تلك العيون التي التفت من حولي متطلعة إلى هذا العائد لتوّه من الحرب، لبكيت الآن على صدرها بكاء لا أدري أتروي مياهه نبات الأرض أم تحرق نيرانه زهورها.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب... بل لا أريد حتى تذكّرها، لكن الفتى الأشقر الذي وقف الآن عند الباب بقامته المتمايلة كجريد نخل صمّم أن يبقيها حاضرة بوضوح، بألوان طبيعية وأبعاد واقعية، فرأيتني واقفا عند مدفعيتي محاطا بالرفاق محفّزين لأي أمر، بيد أن الأمر انطلق من الجهة المقابلة، تلاه انبعاث لمجموعة من المشاة، لم ندر من أيّ جهة نبتوا. كانت فكرة ذكية لم نستوعب حركاتها إلا حين صار رجالنا يتساقطون تباعا. لينطلق نداء قائدنا متأخرا متكسّرا، قطّعت أصوات البنادق حروفه:
                     · ا...ن...س...ف !
حين أفاقت أذنيّ من الصمم الذي طمس على طبلتيهما انفتح بصري مباشرة وفوهة مدفعي موجهة صوب جندي ببندقية يركض نحوي. فتى أشقر نحيف، خطواته طويلة أو هكذا بدت لي حينها، شعر رأسه الأصفر كان ناعما، لاحظت ذلك في خصلات شعره التي تدلت من تحت خوذته فوق جبهته وعنقه، كان وجهه وسيما وشيء من براءة الطفولة لم يغادره بعد.
انبعث مرة أخرى صوت القائد يشق هذه المرة بقوة وكل وضوح الضوضاء المسيطرة، ويشق سمعي وكأن الأمر موجّه لي دون غيري:
                     · انسف!
أنا لا أريد أن أتحدث عن الحرب...
 التمّ حولي صبية القرية متعطشين أن أحدثهم عنها، يتبادلون النظر إلى الصورة التي سلّمتها أمي لهم. صورة تظهرني جالسا فوق سطح مدفعيتي أرفع بندقيتي نحو السماء بينما ترتفع بسمة عريضة على وجهي، أذكر أني أخذت هذه الصورة عند التحاقي بخط النار، كانت الأولى هناك والأخيرة، لأني لم أعد بعد ذلك أرغب في التقاط صور، باستثناء تلك التي تُأخذ لنا ونحن في النظام أو عائدين نحمل رايات النصر.
ظل الصغار يطرحون عليّ الأسئلة، ثم يعودون للهمس في آذان بعضهم:
                     · لماذا لا يردّ؟ لماذا لا يتكلم؟
ناولتهم بعض الحلوى التي وُزّعت علينا ليلة إعلان النصر، حيث لم يستسغ  حينها حلقي المملوء غُصصا حلاوتها الزائدة، فاحتفظت بها في علبة بلاستيكية.
                     · إنها لذيذة!
صاح أحد الأطفال قبل أن يمضوا مبتهجين بها بعيدا عني.
بل أنا لا أريد حتى أن أتذكر الحرب... لكن الفتى الأشقر المار قريبا من مجلسي بهامته المنكسرة يأبى إلا أن يعيد ذاكرتي إلى هناك.
مضت ثلاثة أيام من رجوعي إلى القرية. ولايزال لساني عاجزا عن تركيب العبارات، فقط بعض الكلمات المتزاحمة. لكنّي كنت أتكلم في مكان آخر. حينها، يرتفع صوتي بقوة متجاوزا جدران دارنا، فيسمعه كثير من الجيران المستيقظين أو المتنبهين في نعاسهم، لأن صوتي لم يكن يرتفع إلا حين يكون الجميع نياما. وفي الصباح تحكي لي أمي وجدّتي كيف كانت جدران البيت ترتج من هول صراخي وكيف كانوا هم يقفزون من مضاجعهم مذعورين تكاد قلوبهم تغادر أقفاصها. محاولين بعد أن تستوعب عقولهم الغارقة في دهاليز النوم ما يجري حولهم، أن يفكّوا شفرات الكلمات المتقطعة التي تندفع كقذائف الذبابات من جوفي ثم تتساقط شظايا مشتعلة على أحلام من بلغهم مدى صوتي.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب، ولا تذكرها حتى، لكنها وفور دخولي القرية عادت متنقلة من الزمن المنصرف لتزور مناماتي، فتحلّ بثقلها ناسفة برعم أي حلم في طور تشكله وغازية أرض أي نومة هادئة. ثم أصبحت كوابيس الليل مع مرور الوقت تتراكب بكثافة عجزت عن استيعابها المساحة المخصصة لها في ذهني، فصارت عيناي تنفتحان فجأة لتكملا متابعة المشاهد التي تعرض من حولي بين جدران الغرفة النائمة في السكون والظلام، كمن يتابع فيلما أنا خلاله بطل اقتصرت مهمته على القتل. ومن لم أقتله حقيقة في المعارك قتلته في كوابيسي، ومع كل رمية قاتلة كان صراخي يرتفع بين دهاليز أحلامي البشعة. حتى إذا تخلصت من كل الأعداء ولم يُروَ ظمئي بعد من الدماء وجهت فوهة مدفعيتي أو رشاشي نحو رفقائي دون أن أعير استغاثاتهم واستعطافاتهم أدنى اهتمام. ثم أصرخ مرددا عباراتهم المستنجدة، أصرخ لأوقظ من نام على الجنب المريح من أهل قريتي. ثم ينبعث في المشهد الأخير كل قتلاي من موتهم. يتهافتون عليّ ليغرسوا أظافرهم وأنيابهم في جسدي. تمتد أيديهم لتضغط بقوة على عنقي، تخنقني فأحاول الصراخ فلا أستطيع. ثم ينهشون جسدي. يبترون أعضاءه فلا يشفى غليلهم مني. أصرخ وأصرخ فتهتزّ جدران بيتنا وكأن زلزالا حلّ ليطهّر الأرض من الدناءة التي قبحت وجهها الجميل.
لا أريد التحدث عن الحرب. لكني حين أخرج للتجول عند أطراف القرية صباحا أو مساء، لا تستطيع عيناي أن تستمعا بالجمال الذي يغطي تلال البادية المجاورة، ولا أذنيّ أن تطربا بالهدوء المسافر بسكينة في السماء، والمنبعث بإصرار من كل الأشياء المحيطة بممشاي، لأني حينها أكون واقفا عند مدفعيتي أتأمل بذهول الجثث المتناثرة والآليات المحترقة والتراب الذي لم يستسغ شرب اللون الأحمر. أتمعّن دون انقطاع وجوه رفاقي التي لم تعد تنطق بشيء أو تنبض بعرق. لقد انتقل تشوه الحرب إلى قريتي الجميلة الهادئة فلم أعد أرى حولي غير أجساد بأعضاء مبتورة ووجوه محترقة وملامح اختلط بعضها بالآخر، فيتملكني تصميم أكبر على أن أحتفظ بخيار الصمت كلما سألني أحد أن أكلمه عن الحرب.
لا أريد أن أتحدث عن الحرب، لكني ربما سأكون مضطرا لذلك، لأن الفتى الأشقر اقتحم صمتي وأيقظني من ذهولي حين سألني:
                     · هل من الممكن أن تندلع حرب أخرى قريبا؟
أحرر لساني من انعقاده القديم بسؤال حفظته عن قادتي:
                     · ولماذا تسأل؟
                     · أريد أن أكون مثلك، محاربا، أتغلب على العدو وأطرده، ثم تحتفل القرية بعودتي منتصرا.
اقشعر بدني وأحسست أن الدموع ستندفع من مسام جلدي، بينما كان كثيرون من أهل القرية قد التفوا من حولنا يترصدون حديثي الذي انتظروه منذ يوم عودتي. نظرت في عينيّ الفتى نظرة عميقة لم يقطعها رمش عين بينما بذهني تتجمع جميع الأزمنة.
                     · لقد كان مثلك، يشبهك كثيرا، كأنك هو وهو أنت. كان يركض شاهرا بندقيته نحوي، دون أن ينتبه ربما إلى أنه كان في مرمى فوهة مدفعيتي. كان رفاقي يتساقطون من حولي، ورأسي يزداد انتفاخا بأمر يردده قائدي، وهو يركض صوبي، في مثل سنّك، هامته كهامتك، شعر رأسه كشعر رأسك.
توقفت عن الحكي، فأنا لا أريد أن أتحدث عن الحرب، لا أريد أن أتذكرها حتى، خصوصا هذا الجزء منها. نطقوا جميعا في صوت واحد، وكأنهم يرغمونني على الإكمال:
                     · ثم ماذا؟
فأجبت، مرتعشا، باكيا:
                     · ثم نسفت رأسه !
*********************************************************

- توفيق باميدا - (2011)                                                          "تابعونا على فايسبوك من هنا"

الأربعاء، مارس 05، 2014

ألبوم صور: القصة الفائزة في مسابقة "مجلة العربي وبي بي سي عربية" لشهر يوليوز 2013

--------------------------------------------------------------------------------------

لماذا اخترت هذه القصة؟ (منى طلبة: ناقدة وأكاديمية من مصر)
"هي من القصص النادرة التي يتمتع صاحبها بالتمكن من لغة عربية جميلة خالية تقريبًا من الأخطاء النحوية والأسلوبية، قصة محكمة البناء وحتى ماهرة في الاستبطان النفسي لشخصياتها وفي تكريسها لألبوم الصور كأيقونة للحب. إنها قصة حب جمعت بين الراوي وسميرة تواءمت فيها الأرواح وتوجت بخطبة رسمية سرعان ما انفكت لعجز الراوي عن الوفاء بالمطالب المادية لاتمام الزيجة، وظل البطل يعاني فراقه سميرة مجترًا آلامه بمناجاته الليلية لألبوم الصور الذي جمعه بحبيبته في مناسبات عدة. في رغبة الخلاص من مواجعه أرسل لها الألبوم مغلفًا إياه بورقة يستفهم فيها عما إذا كان من الممكن بيع مثل هذه السعادة التي تنطق بها الصور بهذا الثمن الزهيد؟ سميرة تتلقى الرسالة تغضب في البدء ثم سرعان ما تعاود اتصالها به لتنهي مكالمتها والقصة أيضًا بهذا القرار: «هذا الألبوم لا يمكن أن يعيش مع واحد منا دون الآخر، إما أن نحرقه وإما أن نجتمع به، وأنا صراحة لا أستطيع حرقه».

يغوص الراوي في أغوار النفس المحبة، ويلتقط دقائقها كمن يصورها ويجمعها في ألبوم للصور، يقف على ما يعتريها من شعور بالأمل بالانبساط والقوة والجمال وإقبال على الذات بالآخر، وما يعتري ذات النفس من مشاعر اليأس والهوان والانكسار حين ترد إلى وحدتها، وما يشوبها من وساوس واستعذاب للألم حين تجتر ذكرياتها كل حين، ألم تخف حدته حين يلقي البطل بكرة اللهب التي تحرقه إلى مرمى الطرف الآخر الذي تسبب في الفراق وهو سر الراحة التي شعر بها الراوي حين أرسل بألبوم الصور إلى سميرة، وما انتاب سميرة من غضب يبين ما يختلج في نفسها من مشاعر الشعور بجريرة ما صنعت وهول الإدانة، فما خلت إلى نفسها حتى وقر في قلبها أن ما جمعته الصور لا يفرقه إنسان. ذلك أن ألبوم الصور لم يعد ورقًا وإنما متكأ لما هو أبقى، أضحى أيقونة ممثلة لمعنى الحب ذاته شعورا ورسالة وعلاقة واقعية.

ألبوم الصور تجسيد لمشاعر الحب الخفية وتثبيت لمرورها الأثيري بين القلوب، ولتلك اللحظة الجامعة لكل المتقابلات الرجل والمرأة، الأنا والآخر الروحي والحسي، الحب بوصفه الوحدة الأولى المبتغاة، ولتاريخ مواقيت السعادة والمودة، فهو قرار لزمن يفر، ولروابط تشتد عبره، لا يمكن الاستهانة بها لأنها من نسجه الذي لا يمكن استعادته أو تكراره. وهكذا بدا حرق الألبوم تبديدًا لأثير المشاعر ومعجزة التوحد الإنساني ولفعل الزمن، لما يفوق ثمنه على عطايا الكفاية المادية.
--------------------------------------------

         ألبوم صور
          توفيق باميدا – المغرب
-------------------------------------------

حين أعود إلى البيت في وقت متأخر مرهق البدن مشوش الذهن، تمتد يدي للتنقيب في أشيائي القديمة وأغراض لم يعد لها من دور سوى ملء الفارغات، وأفتح نوافذ ذاكرتي المكدسة بالأحداث والمشاهد لعلي أعثر بين خاناتها على شيء يلمع قد يعيد للقلب المنكسر بعض الأمل المنصرف، ويزود العقل المنهك بطاقة تجدد آليات عمله.
وحين أمّل من التنقيب دون أن أتوصل لشيء يذكر أوصد باب الغرفة وأستلقي فوق السرير، ثم أتناول من تحت وسادتي ألبوم الصور، أقلّب صفحاته متأملا صوره بتمحيص وعناية، تاركا البهجة المنبعثة منها تلفني بخيوطها المتعطرة بأريج الأيام المنقضية، فتطبع ذاكرتي على كل صورة أبعاد اللحظة وما سبقها وما تلاها وما أحاط بها. يبتسم القلب بسمة لا يكتمل رسمها حين أبلغ نهاية الألبوم طاويا غلافه الكرتوني. أصحو من حلمي الجميل الذي شاء له الله ألا يكتمل، أطفئ النور وأنحشر داخل الملاءة داعيا كل الأحلام الجميلة لترافقني في نومتي.
سميرة لا تزال حاضرة كنجوم السماء في خيالي، في ذاكرتي وعلى لساني. سميرة شمس أشرقت حين اشتدت حلكة أيامي لتبث نورها دون تردد عبر أوعية فؤادي، وتفرش دفئها بساطات عبر طرقاتي ومجالسي. فور أن تعرفت على سميرة قررت ودون تردد طرق بابها، لتعلن لي ذات يوم من أيام خطبتنا أنني أشبه بالفارس الذي سمعت حكاياته من جدتها وقرأت عنه في قصص طفولتها، وأنها هي أميرة قد حللت أنا لألبسها تاجها.
لكني ربما في الواقع لم أكن قادرا على إلباسها التاج، فالأميرة تحتاج إلى قصر، وسميرة ستحتاج إلى مسكن، والمسكن ليس مجرد جدران وأرضية وسقف. لقد كنت واعيا بما عليّ جيدا. لكن مرور سنة من فترة الخطوبة وأنا بعد عاجز عن إحداث الفرق هو ما جعلني ألمح في عيني سميرة يأسا لم أعده منها من قبل، فلطالما بادلتني شعارات الصمود والتفاؤل وعدم الاستكانة أمام أي شيء قد يعرقل بناء أحلامنا.
ذات مساء ولجت المنزل لأجده غارقا في وجوم فظيع، أخبرتني أختي الصغيرة وأنا بعد لم أتجاوز عتبة بابه أن أهل سميرة قد ردوا إلينا هدايانا. بدا وجه أمي متيبسا، وعينا أبي حائرتين في محجريهما، بينما حاصر إخوتي الهدايا في الردهة ينهشونها بحثا عن غنيمة تناسبهم.
شعرت وأنا أعود أدراجي من المشهد الذي لم أتصور حدوثه يوما، صوب أي طريق يعزلني مع نفسي بعيدا، وكأن رمحا ملتهبا دُق بين أضلعي فأوقد النار في كل جسدي، ثم ذرت رمادي رياح عاصفة فصرت تائها عن ذاتي.
كلمتها عبر الهاتف، ذكرتها بحبي الكبير لها وأنني متشبث بها لأن روحي تشتبك بروحها، وأن توافقنا قادر على أن يجاوزنا كل ما يعترض طريقنا. ردت وكأنها تغالب نفسها:
- كن واقعيا! أحلامك مجرد سراب في صحراء أيامنا.
توالت اتصالاتي العقيمة حتى انعدمت، ثم لم يعد يوصلني بسميرة غير ألبوم الصور، أقلّب صفحاته وأحلّق مع كل صورة منه إلى المكان والزمان اللذين التقطت عندهما. أدمنت على مراجعته كل ليلة ما عجّل نفاد صبر أخي الذي يقاسمني الغرفة، فقد كان نور المصباح الذي أبقيه متوهجا حتى وقت من الليل يمنع حصوله على درجة الظلام الملائمة لإغماض جفنيه، مما اضطره وبعد مشادات متكررة بيننا إلى هجر الغرفة وتركي والألبوم على انفراد تام.
وما كان يزيد تعلقي بالألبوم هو كونه يؤرخ لفترة الخطوبة بانتظام زمني وواقعية في اقتناص اللحظة، وقد بذلت جهدا ليس بالهين لجمع الصور وترتيبها وتحقيق تاريخ التقاطها. فتلك صورة عن أول لقاء رسمي بين أهلي وأهل سميرة، وهناك صور أُخذت عند زياراتنا المتبادلة في الأعياد ورمضان، وهذه صور كثيرة عن خرجاتي برفقتها تؤكد ما مررنا به من لحظات مميزة، والمتصفح المتأمل للصور سيلاحظ بريق السعادة في عينينا وتوهجها على ملامحنا. إنه أصدق شاهد على ما أمضيناه من أوقات طيبة.
ذات صباح استيقظت مع السادسة على غير عادتي، ارتديت ملابسي ثم تناولت الألبوم من تحت الوسادة حيث هو دائما، أخذت قلما وورقة مقواة ناصعة البياض، ثم كتبت على صفحتها: «سميرة، لا أريد أن أحدثك عن مدى حبي لك، ولكني فقط أطلب منك أن تتأملي هذه الصور ثم تسألي نفسك: هل من السهل على أي إنسان مهما كان غنيا أو نافذا أو... أن يشكل في فترة وجيزة ألبوم صور كألبومنا؟ إنه شاهد لا يشهد بزور على أننا قررنا في النهاية بيع سعادتنا بثمن زهيد». ألصقت الورقة على غلاف الألبوم ثم وضعته داخل ظرف وبعثته عبر البريد العاجل.
في تلك اللحظة وبعد تخلصي من الألبوم وهجران الذكريات المتقافزة من صوره كلما ناجيته في ليلي الطويل، شعرت أخيرا بأني قد انفلت من حلقة سميرة حيث بت قادرا على الركض خارجها بكل حرية بحثا ربما عن حلقة جديدة.
ذات مساء وحين أوصدت باب غرفتي وهممت بتغيير ملابسي رن هاتفي، ففوجئت بأن سميرة هي من يتصل، بدت غاضبة وهي تصف تصرفي ببعث الألبوم إليها بالمتهور وتلقيها رسالة بهذا الشكل يسيء إلى سمعتها بعد فسخ خطوبتنا، ثم أقفلت دون أن تمنحني فرصة للتعقيب أو الاعتذار على الأقل.
استلقيت فوق السرير دون حتى أن أتخلص من حذائي، راحت غصة تتشكل بحلقي وتدفع بالدموع للتجمع عند مقلتي. لعلي الآن فقط سأتذوق طعم الألم الحقيقي الذي تجاهلته مررا بعيش وهم اللحظات من خلال تقليب صور الألبوم. فها هي المرأة التي اخترتها لتكون أميرتي قد اختارت التخلص مني.
 ظللت أنظر بعيني الدامعتين إلى مصباح السقف دون أن تؤثر شدة الضوء المنبعثة منه في قوة تحديقي. ثم رن هاتفي مجددا، كان نفس الرقم يطلبني، ترددت في الرد أولا ثم ضغطت على الزر، ليصلني صوت سميرة: هذا الألبوم لا يمكن أن يعيش مع واحد منا دون الآخر، إما أن نحرقه وإما أن نجتمع به. وأنا صراحة لا أستطيع حرقه.


-------------------------------------------
* ألبوم صور: 2011 - توفيق باميدا           "تابعونا على فايسبوك من هنا"

الخميس، نوفمبر 07، 2013

الإذاعات الخاصة، هل انزلقت إلى مستوى الرداءة؟


حين تضبط مذياعك سواء كان منزليا أو في سيارتك أو في هاتفك المحمول على موجة الإف إم، ثم تباشر البحث عن الإذاعات التي يستطيع مذياعك هذا بلوغ التقاطها، فإنك ستحصّل على عدد لا بأس به منها، بعضها يبَثّ بالعربية وبعضها بالفرنسية أو هما معا، وبعضها بالأمازيغية، وبعضها الآخر بالدارجة المغربية. والملفت للانتباه، هو أن معظمها هو إذاعات خاصة وليست عمومية.
 في الوقت الذي تم فيه الإعلان عن إعطاء نفس جديد للمشهد الإعلامي المغربي من خلال تحرير القطاع السمعي البصري، اجتاحنا الفضول لمعرفة ما ستحمله القنوات الخاصة المرخّص لها من قيمة مضافة للمشهد الإعلامي المغربي، خصوصا أن تمة فئة عريضة من المواطنين تعشق المذياع، إما متابعة له، أو تجاوبا مع برامجه عن طريق المشاركة، أو فقط الاستئناس به.
اليوم، وبعد أن رسخّت هذه القنوات تواجدها على الساحة الإعلامية، وباتت لها نسبة جدّ مهمة من المعجبين والمتتبّعين، بل إن حضورها بات أقوى من حضور نظيراتها الوطنية، واستهدفت بعض برامجها فئة معيّنة من الشباب لم يكن لهم أي اهتمام بما يعرضه المذياع ربما فقط وصلاته الموسيقية، صار لزاما على المهتمين والنقاد والباحثين التوقّف على هذه الظاهرة، ودراستها دراسة مستفيضة ومتأنّية، فهي تمسّ مباشرة عصب المجتمع عبر نقل الأفكار والآراء والمقترحات وما إلى ذلك، بواسطة لغة وأسلوب معّينين، إذ أنّها وكوسائل الإعلام الأخرى تعتبر سلاحا ذا حدّين.
وحتّى لا أعمّم حديثي هذا على كل الإذاعات الخاصة المغربية، فإني أستثني بعضها، وأشير إلى أنّ أغلبيتها قد أثارت انتباهي في بعض المسائل المتعلّقة بالشكل والمضمون في بعض برامجها التي تلقى اهتماما كبيرا من طرف المواطن المغربي عاشق المذياع. وأعني بالشكل هنا اللغة المتداولة، والأسلوب المتبّع في تقديم هذه البرامج. وأقصد بالمضمون المواضيع التي تتطرّق لها والأفكار المتداولة خلالها. ناهيك عن الرسائل التي يتم تمريرها بين هذا وذاك.

أوّلا: اللغة والأسلوب
إنّ اللغة المعتمدة من طرف بعض مقدّمي البرامج هي لغة مبتذلة أقرب إلى لغة "الشارع"، حيث استعمال الألفاظ والتعابير التي تحدث تلوّثا سمعيّا لدى المستمع. وعلى سبيل المثال فقد يفاجئك، مقدم أحد البرامج وهو يستعمل عبارة ستجعلك تتصبّب عرقا إن سمعتها وأنت وسط أفراد عائلتك. وفي أحيان أخرى تحسّ وكأن مقدّمي البرامج وضيوفهم يجلسون في مقهى بينما أنت تسترق السمع إليهم، حيث النكات المبتذلة والضحكات العالية والتهريج بل قد يعمد المقدّم مثلا إلى معاكسة زميلته والتي تردّ عليه هي الأخرى بضحكة عالية.

أما بعض الإذاعات فهي تعمد في بعض برامجها إلى استضافة فكاهّي يحادث المستمع بلغة مبتذلة لا ترقى إلى المستوى المرجوّ، بل إنها تدفعك إلى الاشمئزاز من متابعة الاستماع.

أيضا، تعمد بعض الإذاعات إلى تقديم نشرتها الإخبارية بالدارجة المغربية، ونحن نعلم أن الدارجة هي خليط من العربية والفرنسية وألفاظ أخرى، فتتداخل اللغات، وينزل مستوى التعبير، ونحصل على شيء مثل هذا القبيل: "ربحات الفرقة ديال مانشيستر يونايتد على الفرقة ديال مانشيستر سيتي في مبراة الديربي اللي جمعاتهم البارح في البريميير ليغ، البطولة الإنجليزية، بنتيجة ثلاثة لجوج، وسجّل المهاجم الهولاندي فان بيرسي... "

ثانيا: المواضيع والأفكار
تعمد جلّ هذه الإذاعات إلى الخوض في مواضيع تصنّف على أنها "طابوهات" خصوصا "طابوه" العلاقة بين الرجل والمرأة، وغالبا يتم ذلك عبر استضافة خبير أو طبيب أو شخصية مشهورة، إضافة إلى تلقّي اتصالات المستمعين للمشاركة. عندها يتمّ الخوض في أمور بالغة الحساسية، ويعمد المتصّل أو المقدّم أو الخبير إلى تفصيل الإشكالية تفصيلا دقيقا، عن طريق استعمال أوصاف وتفسيرات جدّ مبالغ فيها.
هذه المواضيع بالنسبة للمشتكي هي أمور شخصية، فإن وجب عليه طرح مشكلته النفسية أو الجسدية للعلاج فهذا يتم عن طريق زيارة الطبيب بشكل يضع المسألة في طابع سرّي خاضع لأخلاقيات المهنة، وليس عن طريق إذاعة المشكل والخوض في تفاصيله أمام الملأ ودون مراعاة ضوابط المجتمع المغربي "المحافظ"، والذي من المفروض أنّه يستحيي من مشاركة العائلة أو بعضه البعض الإنصات لمثل هذه المواضيع.

 أيضا، هناك بعض البرامج التي تناقش مواضيع اجتماعية كاختيار شريك العمر والزواج عبر الأنترنيت مثلا، وذلك عن طريق تلقّي مشاركات المستمعين عبر المكلمات الهاتفية والرسائل القصيرة والبريد الإلكتروني. هنا، وفي كثير من الأحيان يتخذ الموضوع طابعا هزليا، لا سيما أن بعض المتصلين يعمدون إلى التدخل بطريقة فكاهية، وبأسلوب التنكيت المحشو بالسخرية، فتضفي مقدمة البرنامج وهي تنفجر ضاحكة مزيدا من الابتذال والرداءة على جو البرنامج الذي من المفترض أن يناقش المسألة بجدّية وموضوعية، عن طريق التحليل واقتراح الحلول. نفس الشيء ينطبق على برامج المسابقات، فهي تتم هي الأخرى في طقوس من التطبيل والضحك المجاني.

أما بعض المقدمين، فأنت تجدهم يخاطبونك من برجهم العاجي، وكأنك تلميذ في حضرة معلم صارم، حيث يبدو عليهم الانفعال الزائد. إذ ترتفع أصواتهم بشكل عصبي وتشتدّ لهجتهم، وهم يلقون على مسامعك خطابا في صيغتي الأمر والنهي. 

وجهة نظر:
إن كل ما أسلفت ذكره هو مجرّد ملاحظات عمّ أثار انتباهي، أو بالأحرى استيائي، فيما يخصّ بعض برامج قطاعنا السمعي الخاص. وهي لا تعدو في النهاية كونها وجهة نظر خاصة، قد يتّفق معها البعض وقد لا تروق إطلاقا للبعض الآخر. كما أنها، كما أشرت سابقا ليست معمّمة على كل البرامج أو كل الإذاعات، حيث أن بعض البرامج الإذاعية يتمّ تقديمها بمهنية عالية، وتتناول مواضيع هادفة، بأسلوب يحترم خصوصيات المجتمع ووعي المستمع، بعيدا عن الابتذال والفراغ اللغوي والموضوعي.
وفي انتظار أن يتمّ النهوض نهوضا واعيا وهادفا بإعلامنا السمعي والبصري والمكتوب، فإننا كمتابعين سنكون ملزمين ببذل جهد مضاعف لاختيار ما يتماشى مع أذواقنا، لا سيما أنّ للرداءة والميوعة عشاقها الذين يتسابقون من أجل ربط الاتصال بهذا البرنامج أو ذاك المقدم أو المقدمة. وسنستمر في التساؤل: هل يتعمّد المشرفون على تلك البرامج أن تكون برامجهم رديئة، أم أنهم ببساطة يخفقون في كل مرة في تجاوز الرداءة، أم لعلهم يحسبون أن ما يقدمونه هو بعيد كل البعد عن شيء اسمه رداءة؟

طاب يومكم
توفيق باميدا




من غرينكا إلى "معركة"... حروب مستمرة.

كتب الأديب الأستاذ عز الدين التازي قصته غرينكا مستلهما ربما فكرتها من لوحة بيكاسو الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه: غرينكا. وكتبت أنا قصة معركة ...