‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، نوفمبر 07، 2013

الإذاعات الخاصة، هل انزلقت إلى مستوى الرداءة؟


حين تضبط مذياعك سواء كان منزليا أو في سيارتك أو في هاتفك المحمول على موجة الإف إم، ثم تباشر البحث عن الإذاعات التي يستطيع مذياعك هذا بلوغ التقاطها، فإنك ستحصّل على عدد لا بأس به منها، بعضها يبَثّ بالعربية وبعضها بالفرنسية أو هما معا، وبعضها بالأمازيغية، وبعضها الآخر بالدارجة المغربية. والملفت للانتباه، هو أن معظمها هو إذاعات خاصة وليست عمومية.
 في الوقت الذي تم فيه الإعلان عن إعطاء نفس جديد للمشهد الإعلامي المغربي من خلال تحرير القطاع السمعي البصري، اجتاحنا الفضول لمعرفة ما ستحمله القنوات الخاصة المرخّص لها من قيمة مضافة للمشهد الإعلامي المغربي، خصوصا أن تمة فئة عريضة من المواطنين تعشق المذياع، إما متابعة له، أو تجاوبا مع برامجه عن طريق المشاركة، أو فقط الاستئناس به.
اليوم، وبعد أن رسخّت هذه القنوات تواجدها على الساحة الإعلامية، وباتت لها نسبة جدّ مهمة من المعجبين والمتتبّعين، بل إن حضورها بات أقوى من حضور نظيراتها الوطنية، واستهدفت بعض برامجها فئة معيّنة من الشباب لم يكن لهم أي اهتمام بما يعرضه المذياع ربما فقط وصلاته الموسيقية، صار لزاما على المهتمين والنقاد والباحثين التوقّف على هذه الظاهرة، ودراستها دراسة مستفيضة ومتأنّية، فهي تمسّ مباشرة عصب المجتمع عبر نقل الأفكار والآراء والمقترحات وما إلى ذلك، بواسطة لغة وأسلوب معّينين، إذ أنّها وكوسائل الإعلام الأخرى تعتبر سلاحا ذا حدّين.
وحتّى لا أعمّم حديثي هذا على كل الإذاعات الخاصة المغربية، فإني أستثني بعضها، وأشير إلى أنّ أغلبيتها قد أثارت انتباهي في بعض المسائل المتعلّقة بالشكل والمضمون في بعض برامجها التي تلقى اهتماما كبيرا من طرف المواطن المغربي عاشق المذياع. وأعني بالشكل هنا اللغة المتداولة، والأسلوب المتبّع في تقديم هذه البرامج. وأقصد بالمضمون المواضيع التي تتطرّق لها والأفكار المتداولة خلالها. ناهيك عن الرسائل التي يتم تمريرها بين هذا وذاك.

أوّلا: اللغة والأسلوب
إنّ اللغة المعتمدة من طرف بعض مقدّمي البرامج هي لغة مبتذلة أقرب إلى لغة "الشارع"، حيث استعمال الألفاظ والتعابير التي تحدث تلوّثا سمعيّا لدى المستمع. وعلى سبيل المثال فقد يفاجئك، مقدم أحد البرامج وهو يستعمل عبارة ستجعلك تتصبّب عرقا إن سمعتها وأنت وسط أفراد عائلتك. وفي أحيان أخرى تحسّ وكأن مقدّمي البرامج وضيوفهم يجلسون في مقهى بينما أنت تسترق السمع إليهم، حيث النكات المبتذلة والضحكات العالية والتهريج بل قد يعمد المقدّم مثلا إلى معاكسة زميلته والتي تردّ عليه هي الأخرى بضحكة عالية.

أما بعض الإذاعات فهي تعمد في بعض برامجها إلى استضافة فكاهّي يحادث المستمع بلغة مبتذلة لا ترقى إلى المستوى المرجوّ، بل إنها تدفعك إلى الاشمئزاز من متابعة الاستماع.

أيضا، تعمد بعض الإذاعات إلى تقديم نشرتها الإخبارية بالدارجة المغربية، ونحن نعلم أن الدارجة هي خليط من العربية والفرنسية وألفاظ أخرى، فتتداخل اللغات، وينزل مستوى التعبير، ونحصل على شيء مثل هذا القبيل: "ربحات الفرقة ديال مانشيستر يونايتد على الفرقة ديال مانشيستر سيتي في مبراة الديربي اللي جمعاتهم البارح في البريميير ليغ، البطولة الإنجليزية، بنتيجة ثلاثة لجوج، وسجّل المهاجم الهولاندي فان بيرسي... "

ثانيا: المواضيع والأفكار
تعمد جلّ هذه الإذاعات إلى الخوض في مواضيع تصنّف على أنها "طابوهات" خصوصا "طابوه" العلاقة بين الرجل والمرأة، وغالبا يتم ذلك عبر استضافة خبير أو طبيب أو شخصية مشهورة، إضافة إلى تلقّي اتصالات المستمعين للمشاركة. عندها يتمّ الخوض في أمور بالغة الحساسية، ويعمد المتصّل أو المقدّم أو الخبير إلى تفصيل الإشكالية تفصيلا دقيقا، عن طريق استعمال أوصاف وتفسيرات جدّ مبالغ فيها.
هذه المواضيع بالنسبة للمشتكي هي أمور شخصية، فإن وجب عليه طرح مشكلته النفسية أو الجسدية للعلاج فهذا يتم عن طريق زيارة الطبيب بشكل يضع المسألة في طابع سرّي خاضع لأخلاقيات المهنة، وليس عن طريق إذاعة المشكل والخوض في تفاصيله أمام الملأ ودون مراعاة ضوابط المجتمع المغربي "المحافظ"، والذي من المفروض أنّه يستحيي من مشاركة العائلة أو بعضه البعض الإنصات لمثل هذه المواضيع.

 أيضا، هناك بعض البرامج التي تناقش مواضيع اجتماعية كاختيار شريك العمر والزواج عبر الأنترنيت مثلا، وذلك عن طريق تلقّي مشاركات المستمعين عبر المكلمات الهاتفية والرسائل القصيرة والبريد الإلكتروني. هنا، وفي كثير من الأحيان يتخذ الموضوع طابعا هزليا، لا سيما أن بعض المتصلين يعمدون إلى التدخل بطريقة فكاهية، وبأسلوب التنكيت المحشو بالسخرية، فتضفي مقدمة البرنامج وهي تنفجر ضاحكة مزيدا من الابتذال والرداءة على جو البرنامج الذي من المفترض أن يناقش المسألة بجدّية وموضوعية، عن طريق التحليل واقتراح الحلول. نفس الشيء ينطبق على برامج المسابقات، فهي تتم هي الأخرى في طقوس من التطبيل والضحك المجاني.

أما بعض المقدمين، فأنت تجدهم يخاطبونك من برجهم العاجي، وكأنك تلميذ في حضرة معلم صارم، حيث يبدو عليهم الانفعال الزائد. إذ ترتفع أصواتهم بشكل عصبي وتشتدّ لهجتهم، وهم يلقون على مسامعك خطابا في صيغتي الأمر والنهي. 

وجهة نظر:
إن كل ما أسلفت ذكره هو مجرّد ملاحظات عمّ أثار انتباهي، أو بالأحرى استيائي، فيما يخصّ بعض برامج قطاعنا السمعي الخاص. وهي لا تعدو في النهاية كونها وجهة نظر خاصة، قد يتّفق معها البعض وقد لا تروق إطلاقا للبعض الآخر. كما أنها، كما أشرت سابقا ليست معمّمة على كل البرامج أو كل الإذاعات، حيث أن بعض البرامج الإذاعية يتمّ تقديمها بمهنية عالية، وتتناول مواضيع هادفة، بأسلوب يحترم خصوصيات المجتمع ووعي المستمع، بعيدا عن الابتذال والفراغ اللغوي والموضوعي.
وفي انتظار أن يتمّ النهوض نهوضا واعيا وهادفا بإعلامنا السمعي والبصري والمكتوب، فإننا كمتابعين سنكون ملزمين ببذل جهد مضاعف لاختيار ما يتماشى مع أذواقنا، لا سيما أنّ للرداءة والميوعة عشاقها الذين يتسابقون من أجل ربط الاتصال بهذا البرنامج أو ذاك المقدم أو المقدمة. وسنستمر في التساؤل: هل يتعمّد المشرفون على تلك البرامج أن تكون برامجهم رديئة، أم أنهم ببساطة يخفقون في كل مرة في تجاوز الرداءة، أم لعلهم يحسبون أن ما يقدمونه هو بعيد كل البعد عن شيء اسمه رداءة؟

طاب يومكم
توفيق باميدا




الاثنين، ديسمبر 17، 2012

السينما المغربية، هل تتعمد محاربة الإسلام؟



بسم الله الرحمان الرحيم


قبل سنتين أو ثلاث، وجدتني ذات مساء أنشدُّ لفيلم سينمائي يُعرض على القناة الثانية. وما شدَّ انتباهي أكثر لهذا الفيلم كونه قد حظي حين عرضه في السينما أو قبيل ذلك بهالة إعلامية مُلفتة، وقد تم حينها تقديم برنامج في نفس القناة استضاف مخرج الفيلم وممثليه  قصد التعريف به وربما أيضا الإعلان له.

هذا الفيلم أُنتج سنة 2007م، أخرجه وكتب سيناريوه أحمد بولان، وشارك فيه مجموعة من الممثلين الذين يعرفهم الجمهور جيدا، أمثال يونس ميكري، إدريس الروخ، آمال عيوش، أمينة رشيد، رفيق بكر... والفيلم مقتبس عن قصة حقيقية، حدثت  سنة 2003م، حين اُعتقل 14 شابا مغربيا من عشاق موسيقى "الهارد روك" و"الميتال" بتهمة عبادة الشيطان. وقد أثارت هذه القضية ضجة إعلامية كبيرة وردرد فعل متعددة تمثلت في وقفات احتجاجية نظمتها المنظمات الفنية والمدافعة عن الحريات الشخصية. ومن هذه القضية استوحى أحمد بولان عمله، معتمدا على شهادات هؤلاء الشباب وآبائهم ومرافعات المحامين.

لعلّ أول ما يثير الانتباه في هذا الفيلم هو عنوانه: "ملائكة الشيطان"، فهو متكون من كلمتين متناقضتين: ملاك وشيطان. لكن الأخطر هو أن كلمة "ملائكة" مضافة إلى كلمة "الشيطان"، بمعنى أن "ملائكة" منسوبة إلى "الشيطان"، أي أن هؤلاء "الملائكة" هم تابعون للشيطان، رغم أن الجميع يعلم أن ميزة الملائكة في الأصل هو أنهم  تابعون لله وحده، عابدون مطيعون له سبحانه.

إذا، وبمكر أدبي، وظّف كاتب الفيلم ومخرجه مجازا يستعير صفات الملائكة في علاقتها بالله ليسقطها على هؤلاء الشباب الموسيقيين في علاقتهم بالشيطان. وهو هنا يجعل للشيطان ملائكة كما لله سبحانه ملائكة، وهذه استعارة بالغة الخطورة.

قد لا يهمنا إن كانت موسيقى الهارد روك تحتفي بالشيطان وتمجده، أو إن كان هؤلاء الشباب يتعمدّون نشر تلك الأفكارالمنحرفة أم لا أو أن الأمر بالنسبة لهم مجرد فن لا غير، بل ما يهمنا إضافة إلى العنوان الغريب، هو بعض المشاهد التي حملها الفيلم والتي أساءت إلى بعض شعائر الإسلام، كالسخرية من الوضوء، وكالشخصية المتعصبة والغير مهذّبة التي ظهر بها المحامي الملتحي... وهذه المشاهد أبرزت بوضوح نية الفيلم في الاستخفاف بالتعاليم الإسلامية.

فالفيلم في النهاية يحمل في جعبته رسائل تصبّ في اتجاه الدفاع عن الحريات الفردية، ويضرب بعرض الحائط القيم التربوية والضوابط الأخلاقية، ويدعو إلى مواجهة "المتطرفين" كما أبرزهم الفيلم، بدل مراقبة الشباب المتحررين أو المنحرفين.

"ملائكة الشيطان"، ليس هو الفيلم الوحيد في خزانة السينما المغربية الذي أخذ على عاتقه هذا التوجه، بل هناك أفلام قبله وبعده حذت الحذو نفسه وبأشكال متعددة، كفيلم "ماروك" مثلا.

السينما المغربية اليوم في عمومها هي سينما لا تتطرق للمشاكل الحقيقية التي يتخبّط فيها المجتمع وتحاول إيصال الصورة الحقيقية عنه، بل هي تمارس دورها التجاري بعرض إما أفلام ساذجة، أفلام سعيد الناصري نموذجا، أو أفلام هدفها هو إبداع المشاهد المنحلّة قصد ربح مادي وتضليل أخلاقي، أو أفلام برسائل ضد القيم والأخلاق أو حتى التعاليم الإسلامية.

طاب يومكم
توفيق باميدا






الأربعاء، ديسمبر 28، 2011

قراءة نقدية في رواية "النمر الأبيض" لأراويند أديغا

بسم الله الرحمن الرحيم


تمثل رواية "النمر الأبيض" للكاتب الهندي "أراويند أديغا" الفائزة بجائزة "مان بوكر"  البريطانية لعام 2008 اكتشافا آخر للهند الحقيقية وليس هند الرقص والغناء التي غالبا ماتقدمها السينما الهندية، وتمنح للقارئ فرصة التعرف على الفوارق والمتناقضات التي يتخبط في المجتمع الهندي.

وأقدم لكم هنا قراءة نقدية لهذه الرواية أنجزها الكاتب والناقد الأدبي الأردني "فخري صالح"، منقولة عن "مجلة العربي - عدد فبراير 2009".



 «النمرالأبيض» لأراويند أديغا: هندان لا هند واحدة
        
الرواية الفائزة بجائزة مان بوكر  2008
يكتب الكاتب الهندي الشاب أراويند أديغا (مواليد 1974) في عمله الروائي الأول «النمر الأبيض» حكاية الهند المعاصرة في بدايات القرن الواحد والعشرين، مقدما صورة أخرى مختلفة عن تلك الصورة الرسمية الشائعة عن شبه القارة الهندية الصاعدة في الاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات. ويبدو أن الصورة المجازية التي قدمها أديغا للهند التي يخبرنا الراوي في روايته أنها «هندان اثنتان» وليست هندا واحدة هي التي جعلت لجنة تحكيم جائزة «مان بوكر» تختاره للفوز بأرفع جائزة بريطانية لعام 2008، متغلبا على كبار كتاب الرواية المرشحين للجائزة وعلى رأسهم مواطنه الهندي سلمان رشدي الذي لم تصل روايته للائحة القصيرة للجائزة.
حكاية رواية أديغا، الذي يحمل الجنسية الأسترالية إلى جانب الهندية، وكان درس في جامعتي كولومبيا الأمريكية وأكسفورد البريطانية، شديدة البساطة، فهي تدور حول سائق هندي شاب يقتل سيده ويهرب بحقيبة من المال، كان سيده سيسلمها رشوة لأحد الوزراء الهنود لكي يساعده في تسوية مشكلة عائلته الغنية مع الضرائب. وبعد هرب السائق ليصل إلى بانغالور، مدينة الهاي تك وخدمات الكمبيوتر الهندية الصاعدة في عالم التكنولوجيا والمال، يختفي تحت سمع وبصر سلطات البوليس الفاسدة ويصبح واحدا من أغنياء الهند الجدد. لكن هذه البداية المثيرة لا تبدو سوى محاولة للفت انتباه القارئ إلى أعماق الحكاية التي يسردها القاتل في سبع رسائل إلكترونية يرسلها إلى رئيس وزراء الصين الذي كان من المقرر أن يزور الهند ومدينة بانغالور بصورة خاصة بدعوة من الحكومة الهندية.

الرسائل السبع

الرسائل الإلكترونية، التي هي فصول الكتاب السبعة، ترسم الصورة المجازية للهند المعاصرة التي تقدم نفسها بوصفها العملاق الاقتصادي والتكنولوجي الثاني الصاعد بعد الصين. ومن هنا اختيار الكاتب لوسيلته السردية، المتمثلة في عدد من الرسائل الإلكترونية التي يبثها الراوي ــ القاتل بالرام هالوي إلى رئيس وزراء الصين السيد جياباو عبر كومبيوتره النقال من مدينة بانغالور التي يصبح واحدا من سادتها، بعد أن يكون غير اسمه وجعله متطابقا مع اسم سيده الذي قتله. ومن الواضح أن لعبة تغيير الاسم هي بمنزلة إشارة رمزية إلى حلول طبقة جديدة محل الطبقات العتيقة التي كانت تتاجر بأشياء عديدة من بينها الفحم الحجري الذي هو مهنة السيد الذي قتله بالرام الذي يطلق على نفسه لقب «النمر الأبيض» في إشارة رمزية أخرى إلى انعتاق العبد من عبودية سيده عبر قتله.

النمر الأبيض نوع نادر من النمور التي لا يولد منها إلا فرد واحد خلال عشرات السنوات، وقد أطلق القاتل على نفسه هذا الاسم قائلا لرئيس وزراء الصين إنه لم يعد قادرا على مواصلة العيش في القفص لمدة أخرى فقرر القتل رغم أن هذا لا يعني أنه كان يكره سيده. ويبني الكاتب على مجاز النمر الأبيض مجازا آخر مقابلا هو مجاز «قفص الدجاج» الذي يرمز به إلى الهند الأخرى، الهند الفقيرة المضطهدة من قبل الأغنياء والساسة الهنود بغض النظر عن هوياتهم الطبقية وأحزابهم السياسية. يقول الراوي: إن الهند التي توصف بأن عدد طبقاتها لا يحصى قد أصبحت تنقسم إلى طبقتين اثنتين فقط: أصحاب الكروش الكبيرة وأصحاب الكروش الضامرة الصغيرة، وقد قرر هو أن يكون واحدا من أصحاب الكروش الكبيرة، ولو كان ذلك عبر القتل بدم بارد ودون أي إحساس بالذنب.

يلعب السرد الذكي، الفكه والسوداوي في الوقت نفسه، دورا أساسيا في الكشف عن شخصية الوحش الجديد الصاعد من رماد الاستبداد والعبودية الآتية من عصور سابقة. فالقتل بدم بارد هو نتيجة تكشف عنها ممارسات الطبقات الغنية التي تسحق الفقراء وتمثل بعائلاتهم إذا أخطأ أحدهم وأساء لواحد من أفرادها في ظل «ديموقراطية» شكلية تصعد إلى السلطة من خلال التزوير وشراء الأصوات والرشوة وحشد «دجاج الأقفاص»، أي فقراء الهند المغلوبين على أمرهم، للتصويت في انتخابات مزورة لا علاقة لها بالديموقراطية المدعاة!

ديمقراطية ولا شيء..

في هذا السياق يصعد صوت الراوي من أعماق الحكاية ليقول ساخراً إن الهند تملك الديموقراطية، التي تفتقر إليها الصين، لكنها لا تملك الكهرباء والماء النظيف وشبكات الصرف الصحي والشوارع النظيفة؛ ولو كان الأمر بيده لعكس الآية وجعل الكهرباء والماء النظيف وشبكات الصرف الصحي قبل الديموقراطية. ومن هنا فهو يطلب من رئيس وزراء الصين الزائر ألا يصدق مضيفه رئيس وزراء الهند عندما يحدثه عن ديموقراطية الهند وتطورها وكونها عملاقا اقتصاديا متطورا جديدا ينافس أمريكا وأوربا واليابان؛ وعليه دائما أن يقلب كلام رئيس وزراء الهند ليصل إلى حقيقة الهند المعاصرة التي تنقسم إلى طبقتين فقط: أصحاب الكروش الكبيرة الذين يعيشون في قصور فاخرة ومجمعات تجارية ضخمة للتسوق وأصحاب الكروش الضامرة الذين يعيشون في الأحياء المعدمة التي ينهشها الفقر والقذارة والافتقار إلى شبكات الصرف الصحي بحيث تتراكم كتل المخلفات البشرية وتصنع حدودا بين الأغنياء والفقراء.
لتوضيح هذه الصورة المروعة للفرق بين ما يسميه الكاتب «هند الظلام» و«هند النور» يحكي الراوي بأسلوب موارب عن مجيئه من هند الظلام، من الريف الواقع على نهر الغانج، إلى هند النور الواقعة على البحر. لكن هذه القسمة الرمزية لشبه القارة الهندية لا تشير إلى معنى إيجابي لفعل العبور من الظلام إلى النور؛ إنها تعني العكس تماما، فالرحلة الجغرافية، التي يقطعها بالرام من الريف البعيد إلى مدينة دلهي، هي رحلة إلى القتل بسبب إدراك الراوي للخطوط الفاصلة المروعة التي تقسم المجتمع الهندي وتشقه من الداخل مهيئة شروط انفجار داخلي قد يمزق الهند ويدخلها في حرب أهلية عاصفة مدمرة.

إن مدينة دلهي نفسها توصف على لسان الراوي بأنها مدينتان في مدينة: فالأغنياء يعيشون في عمارات سكنية فخمة معزولة من الداخل والخارج عن الفقراء الذين يغوصون في مخلفاتهم البشرية. كما أن العمارة السكنية تنقسم إلى مجالين اثنين: الشقق السكنية الفارهة، والطابق السفلي الذي يؤوي الخدم وترتع فيه العناكب والصراصير التي تروح وتجيء فوق النائمين. أما السيارة التي يركبها السيد ويقودها السائق القاتل، والتي يبدو حضورها في رواية «النمر الأبيض» شديد الرمزية، فهي تمثل أيضا وجودا مقفلا معزولا عن الشارع العريض المحتشد بالعربات التي تنفث عوادمها الخانقة والباصات التي ينبعج البشر من داخلها وعلى سطوحها، والدراجات المنهكة التي يقودها سائقون أنهكهم المرض والجوع والسل، كما حصل مع والد الراوي الذي كان سائق دراجة مات بالسل على أبواب مستشفى حكومي حين لم يجد أحدا يسعفه! من موت الأب بهذه الصورة المروعة تهزه نوبات السعال وهو يبصق الدم على حوائط المستشفى تبدأ الحكاية.

الهند المعاصرة.. صورة مروعة

يرسم أراويند أديغا، الذي عمل سابقا مراسلا لصحيفة الفاينانشال تايمز البريطانية ثم مراسلا معتمدا لمجلة تايم الأمريكية، صورة مروعة للهند المعاصرة المنقسمة والمشروخة من الداخل. وهو يقدم عالمين متقابلين لا يلتقيان إلا عبر الاضطهاد الواقعي والرمزي، والعنف والثورة المكبوتين، والكراهية العميقة. على هذه الخلفية يمكن أن نفهم سرد أراويند أديغا المباشر والمراوغ في الآن نفسه، السرد الذي نظن أنه يسير على السطوح لكنه في الحقيقة سرد سري عميق يفجر دواخل الأشياء ويعرض حقيقة ما يدور في داخل الشخصيات في المشهد الخارجي الذي تصوره عين السارد الذكية الفاحصة. إنه سرد فكه وضاحك لكنه ضحك أسود يثير الألم ويفتح الجروح. ولعل هذا هو السبب الذي يقف وراء تقبل القارئ لحكاية بالرام، هذا السائق الهندي الآتي من أطراف الريف، من الظلام، إلى دلهي بؤرة النور (!) لا ليقتل بل ليعيش. وعندما يكتشف حجم الفساد والعنف والخراب، ويعاين بعينيه وأذنيه انهيار السلطة والمجتمع الهنديين، يتمرد خارجا من «قفص الدجاج» ويذبح سيده.

تلك هي الأمثولة، أو الحكاية المجازية التي تسعى رواية «النمر الأبيض» إلى جدل سردها حولها. ولتثبيت هذا البعد المجازي في بؤرة سردها فإن الرواية تحفل بالصور والمجازات والمشاهد الرمزية المدهشة، التي تفسر جميعها الحدث الرئيسي في العمل: صورة الثور المتعب المندفع وهو يجر عربة محملة بعدد ضخم من رءوس الثيران المقطوعة؛ صورة المرأة الشابة الفقيرة النائمة في محطة القطارات وبين نهديها تقبع ورقة نقدية ضئيلة القيمة؛ صورة النمر الأبيض الذي يقطع المسافة نفسها داخل القفص جيئة وذهابا عددا لا يحصى من المرات، ثم إنه يتبخر تماما من المشهد وكأنه لم يكن موجودا؛ صورة الأعداد الكبيرة من سكان حزام من أحزمة الفقر حول نيودلهي وهم يتبرزون في العراء في مشهد مقزز لكنه يحمل بعدا رمزيا شديد المركزية في الرواية.

تلك الصور، وغيرها مما يرد في صفحات هذه الرواية، تميط اللثام عن الحكاية المركزية. فرواية «النمر الأبيض» ليست رواية عن جريمة قتل بل هي رواية عن حياة الهند المعاصرة؛ عن التناقض الحاد بين عالمين لا يتقاطعان ولا يلتقيان ولا يفكر الغني فيهما بالفقير، ولا يلقي الشبعان إلى حد التخمة بالا إلى الفقير إلى حد الموت جوعا. إنها رواية مدهشة بذكاء سردها وقوة صورها، وإشعاع مجازها وطاقتها الرمزية الخلاقة. وهي تستحق أن تنقل إلى العربية.

فخري صالح   









الأربعاء، سبتمبر 07، 2011

حاجة المجتمع إلى الأدب

بسم الله الرحمن الرحيم


       كل مجتمع هو في حاجة إلى أدبه الخالص الذي ينبثق من مختلف الأبعاد المشكلة لهذا المجتمع، شريطة أن يكون هذا الأدب أدبا حقيقيا وليس مزيفا. فليس كل ما يكتب ويعبّر عنه على أنه أدب هو كذلك، فسمات الأدب الحقيقي تتجلى بمراعاة النص المكتوب للمعايير الفنية (الشكل) للصنف الذي يمثله (شعرا، قصة، رواية، مسرحا...) أولا، ثم لما يحمله هذا المكتوب من أفكار أو رسائل أو مواقف أو أي معنى قيّم يبثّه الكاتب بشكل مباشر أو غير مباشر أو مخفي إلى المتلقي. هنا يتضح أن الشكل والمضمون يحددان معا قيمة ما كُتب أهو أدب حقيقي أم مجرد كتابة عادية؟

       لو ألقينا نظرة متفحّصة على المجتمعات الأرقى فكريا والأكثر وعيا سنجد أنها هي المجتمعات التي يتملك فيها الأدب مكانة مرموقة في الأغلب، من ناحية الإنتاج الأدبي ومن ناحية التلقي والعناية أيضا. وسنجد أن الدول الأقوى ثقافيا وعلميا في العالم هي التي تمتلك كأساس أدبا فاعلا وقيّما. ومن هنا يتضح أيضا أن الأدب هو عملية إنتاجية تتطلب لتقويتها وتفعيلها وجود عناصر أساسية، المنتج الذي هو الكاتب، والمستهلك الذي هو القارئ، وسوق العرض الذي هو الرعاية الممثلة في ظروف وصول المنتوج الذي هو الكتاب إلى القارئ ومتابعته ومعاينته...

       
ويتطلب قيام هذا التواصل أن يكون المجتمع منتجا ومستهلكا، فالكاتب يكتب ليُقرأ ما يكتب، والقارئ يتطلع لقراءة ما يُكتب أيضا. فنجد مثلا أن رواية "الشيخ والبحر"  للكاتب الأمريكي "إيرنست همنغواي" قد بيع منها أكثر من خمسة ملايين نسخة في يومين فقط، وكان ذلك سنة 1952، تصور!!! وقبل أن يدل هذا الرقم الضخم على أن  "الشيخ والبحر" هي عمل قوي جدا، فهو يدل على أن المجتمع الذي حقّق فيه كتاب هذا الرقم الضخم في وقت وجيز، هو مجتمع مطالع جدا.
      
      ويمكن القول أن المجتمع الذي لا يطلب أدبا ويعتقد أنه ليس في حاجة إليه ولا ينتج أدبا هو مجتمع ميت ثقافيا. لأن الأدب يعبر عن ثقافة، والثقافة تنتج أدبا. فثقافة المجتمع وهيوته مرتبطان بشكل كبير بالأدب الذي ينتجه هذا المجتمع، لأن الأدب يشمل تحركات هذا المجتمع، اجتماعية كانت أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو تاريخية. يتناول الأدب المجتمع بين سطوره، ينتقده، يحاوره، ويطرح الحلول أيضا. فيكون الأدب مرافقا للمجتمع في أدق تفاصيله وأعظم شؤونه. فهو يساهم في التربية وفي التوعية وفي الإرشاد وفي التواصل ويخلق فضاء لإنتاج الأفكار ومشاطرة الأحاسيس وتلقي المعارف المختلفة.
     
      فإذا كان الأدب هو نقلا فكريا للحياة المعاشة بطرق مختلفة، فهو إذا دعوة صريحة للمجتمع لأن ينظر إلى نفسه في مريا يصنعها أدباءه.

     طاب يومكم

                                                       لمتابعة "صفحات" على الفايسبوك...


توفيق باميدا

من غرينكا إلى "معركة"... حروب مستمرة.

كتب الأديب الأستاذ عز الدين التازي قصته غرينكا مستلهما ربما فكرتها من لوحة بيكاسو الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه: غرينكا. وكتبت أنا قصة معركة ...